روى ابن إسحاق عن جماعة من الرواة: " قالوا: إنه كان من حديث الخندق أن نفرًا من اليهود .. حزبوا الأحزاب على رسول الله - ﷺ -، وخرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم
إلى حرب رسول الله - ﷺ -، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله .. ". (^٣)
فدخل في حلفهم كل من: قريش، وغطفان، وبني قريظة، بالإضافة إلى بني النضير، وبني وائل.
قال ابن إسحاق: وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين ". (^٤)
وفي هذا الظرف العسير لجأ القائد الحكيم إلى خطوة ليخفف بها عن أصحابه، ويكسر بها طوق أعدائهم فأجرى اتصالات سرية مع قائدي غطفان: عيينة بن حسن، والحارث بن عوف وتوصل معهما إلى اتفاق يقضي بانسحاب غطفان من الحلف مقابل أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة، وقبل أن يصبح العقد نهائيًا وملزمًا عرض رسول الله - ﷺ - الأمر على زعيمي الأنصار وممثليهم: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، فقالا له: يا رسول الله أمرًا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به، لا بد لنا من العمل به أم شيء تصنعه لنا؟ قال: " بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد وكالبُوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ".
فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها إلا قرىً أو بيعًا، أَفَحِين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا
_________________
(١) فتح الباري: ابن حجر العسقلاني، دار الفكر: بيروت، ط () دت، ج ٧، ص ٣٤٦.
(٢) تفسير القرآن العظيم: عماد الدين إسماعيل بن كثير الدمشقي، تح: مصطفى السيد محمد وآخرون، مؤسسة قرطبة: الجيزة، ط (١) ١٤١٢ هـ- ٢٠٠٠ م، ج ٣، ص ٢٣٤.
(٣) السيرة النبوية: ابن هشام، ج ٤، ص ١٧٠ - ١٧١.
(٤) المرجع نفسه، ج ٤، ص ١٧٩.
[ ١١ ]
نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال رسول الله - ﷺ -: " فأنت وذاك "، فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا". (^١)
وجه الشاهد: أن النبي - ﷺ - عدل عن رأيه لرأي سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة وترك ما كان قد رغب فيه من المصالحة على ثلث ثمار المدينة مقابل الانسحاب من حلف اليهود.