بويع له بالخلافة في سنة تسع وستّين ومائة.
كان الهادي متيقّظا غيورا، كريما شهما أيّدا، شديد البطش جريء القلب مجتمع الحسّ، ذا إقدام وعزم وحزم. حدّث عبد الله بن مالك- وكان يتولّى شرطة المهديّ- قال: كان المهديّ يأمرني بضرب ندماء الهادي ومغنّيه وحبسهم صيانة له عنهم، فكنت أفعل ما يأمرني به المهديّ. وكان الهادي يرسل إليّ في التخفيف عنهم فلا أفعل، فلمّا مات المهديّ وولي الهادي، أيقنت بالتلف، فاستحضرني يوما، فدخلت عليه وهو جالس على كرسيّ- والسّيف والنّطع بين يديه، فسلّمت، فقال: لا سلّم الله عليك، أتذكر يوم بعثت إليك في أمر الحرّاني وضربه فلم تقبل قولي؟ وكذلك فعلت في فلان- وعدّد ندماءه فلم تلتفت إلى قولي قلت: نعم، أفتأذن في ذكر الحجّة؟ قال: نعم، قلت: ناشدتك الله، لو أنّك قلّدتني ما قلّدني المهديّ، وأمرتني بما أمر، فبعث إليّ بعض بنيك بما يخالف أمرك فاتّبعت قوله وتركت قولك، أكان يسرّك ذلك؟ قال: لا، قلت: فكذلك أنا لك، وكذلك كنت لأبيك. فاستدناني فقبّلت يده، ثمّ: أمر لي: بالخلع، وقال: وليتك ما كنت تتولاه، فامض راشدا. فمضيت مفكّرا في أمري وأمره، وقلت: حدث يشرب، والقوم الذين عصيته في أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتّابه وكأني بهم حين
[ ١٨٧ ]
يغلب الشراب عليه يغلبون على رأيه ويحسّنون له هلاكي؟ قال: فإنّي لجالس وعندي بنيّة لي، والكانون بين يديّ، وقدّامي رقاق وكامخ [١]، وأنا أشطره بالكامخ وأسخّنه بالنار وآكل وأطعم الصّغيرة- وإذا بوقع حوافر الخيل، فظننت أنّ الدّنيا قد زلزلت، فقلت: هذا ما كنت أخافه وإذا الباب قد فتح، وإذا الخدم قد دخلوا والهادي في وسطهم على دابّة، فلما رأيته وثبت فقبّلت يده ورجله وحافر فرسه فقال لي: يا عبد الله: إني فكّرت في أمرك فقلت: ربّما سبق إلى ذهنك أني إذا شربت وحولي أعداؤك، أزالوا حسن رأيي فيك فيقلقك ذلك فصرت إلى منزلك لأؤنّسك وأعلمك أن ما كان عندي من الحقد عليك قد زال جميعه. فهات وأطعمني ممّا كنت تأكل، لتعلم أني قد تحرّمت بطعامك، فيزول خوفك. فأدنيت إليه من ذلك الرقاق والكامخ فأكل، ثمّ قال: هاتوا ما صحبناه لعبد الله فدخل أربعمائة بغل موقرة دراهم وغيرها. فقال: هذه لك، فاستعن بها على أمرك واحفظ هذه البغال عندك لعلّي أحتاج إليها لبعض أسفاري- ثمّ انصرف. ومن كلامه ما قاله لإبراهيم ابن مسلم بن قتيبة، وقد مات له ولد فجاء الهادي يعزّيه وكان عنده بمنزلة عظيمة، فقال له: «يا إبراهيم، سرّك ابنك وهو عدوّ وفتنة، وحزنك وهو صلاة ورحمة؟» فقال إبراهيم يا أمير المؤمنين: ما بقي منّي جزء فيه حزن إلا وقد امتلأ عزاء. وفي أيّامه خرج صاحب فخّ [٢]، وهو الحسين بن عليّ بن الحسن ابن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (﵇) .