بويع له البيعة العامة ببغداد في سنة ثمان وتسعين ومائة وكان المأمون من أفضل خلفائهم وعلمائهم، وحكمائهم وحلمائهم وكان فطنا شديدا كريما.
حدّث عنه، أنّه لما كان بدمشق أضاق إضاقة شديدة وقلّ المال عنده فشكا ذلك إلى أخيه المعتصم- وكان له بيده أعمال- فقال المعتصم: يا أمير المؤمنين، كأنك بالمال قد وافاك بعد أسبوع، فوصل في تلك الأيام من الأعمال التي كان المعتصم يتولاها ثلاثون ألف ألف ألف درهم (الألف مكررة ثلاث مرات) فقال ليحيى بن أكثم: اخرج بنا لننظر إلى هذا المال، فخرج وخرج الناس وكان قد زيّن الحمل وزخرف فنظر المأمون منه إلى شيء حسن كثير، فاستعظم الناس ذلك واستبشروا به، فقال المأمون: إنّ انصرافنا إلى منازلنا بهذا المال وانصراف الناس خائبين لؤم فأمر كاتبه أن يوقّع لهذا بألف ألف، ولذاك بمثلها، ولآخر بأكثر منها،
[ ٢١٣ ]
حتّى فرّق أربعة وعشرين ألف ألف ألف درهم (والألف مكررة ثلاث مرّات) ورجله في الرّكاب، ثمّ حوّل الباقي على عارض الجيش برسم مصالح الجند، واعلم أنّ المأمون كان من عظماء الخلفاء، ومن عقلاء الرّجال، وله اختراعات كثيرة في مملكته.
منها: أنّه هو أوّل من فحص منهم عن علوم الحكمة، وحصّل كتبها وأمر بنقلها إلى العربيّة وشهرها، وحلّ إقليدس [١]، ونظر في علوم الأوائل، وتكلّم في الطّبّ وقرّب أهل الحكمة.
ومن اختراعاته: مقاسمة أهل السّواد [٢] بالخمسين، وكانت المقاسمة المعهودة النّصف.
ومن اختراعاته: إلزام الناس أن يقولوا بخلق القرآن، وفي أيّامه نشأت هذه المقالة ونوظر [٣] فيها أحمد بن حنبل [٤] وغيره، ولما مات المأمون أوصى أخاه المعتصم بها، فلما ولي المعتصم تكلّم فيها وضرب أحمد بن حنبل، وسيرد خبر ذلك في موضعه.
ومن اختراعاته: نقل الدولة من بني العبّاس إلى بني عليّ﵇- وتغيير الناس السّواد بلباس الخضرة، وقالوا: هو لباس أهل الجنّة.