هو أبو عبد الله محمّد المهديّ بن أبي جعفر المنصور، وقد مرّ نسبه.
بويع له بالخلافة بمكة، في سنة ثمان وخمسين ومائة.
كان المهديّ شهما فطنا كريما شديدا على أهل الإلحاد والزّندقة. لا تأخذه في إهلاكهم لومة لائم، وكانت أيّامه شبيهة بأيّام أبيه في الفتوق والحوادث والخوارج وكان يجلس في كلّ وقت لردّ المظالم.
روي عنه: أنه كان إذا جلس للمظالم قال: أدخلوا عليّ القضاة، فلو لم يكن ردّي للمظالم إلا للحياء منهم لكفى!.
وحدّث عنه: أنّه خرج متنزّها ومعه رجل من خواصّه اسمه عمرو، فانقطعا في الصّيد عن العسكر فجاع المهديّ، فقال: هل من شيء يؤكل؟ فقال له
_________________
(١) الخلاف: شجر يشبه الصّفصاف.
[ ١٧٦ ]
عمرو: أرى كوخا، فقصدوه فإذا فيه نبطيّ [١] وعنده مبقلة [٢]، فسلّموا عليه فردّ السّلام، فقالوا: هل من طعام؟ فقال: عندي ربيثاء [٣]، وهو نوع من الصحناء- وعندي خبز شعير فقال المهديّ: إن كان عندك زيت فقد أكملت الضيافة، قال:
نعم، وكرّاث [٤] فأتاهما بذلك فأكلا حتّى شبعا، فقال المهديّ لعمرو: قل في هذا شعرا فقال:
إنّ من يطعم الرييثاء بالزّيت وخبز الشّعير بالكرّاث
لجدير بصفعة أو بثنتين لسوء الصنيع، أو بثلاث
(خفيف) فقال المهديّ: بئس ما قلت. إنّما كان ينبغي أن تقول:
لجدير ببدرة [٥] أو بثنتين لحسن الصّنيع أو بثلاث
قال: ووافاهم العسكر والخزائن والخدم، فأمر للنبطيّ بثلاث بدر وانصرف وفي أيّامه ظهر المقنّع بخراسان.