كان أبو أيّوب يحبّ جمع المال ليتقرب به إلى المنصور إذا خافه، فقال له المنصور يوما: ما ترى حال صالح ابني؟ ليس له ضيعة! فقال أبو أيّوب: يا أمير المؤمنين: بالأهواز مزارع عاطلة تحتاج إلى ثلاثمائة ألف درهم، تعمر بها ويقوم منها حاصل جيّد. فأطلق له ثلاثمائة ألف درهم، وأمره بعمارتها لابنه صالح فأخذ أبو أيوب المال ولم يعمل في الضيعة شيئا، وصار في رأس كلّ سنة يحمل عشرين ألف درهم ويقول: هذه حاصل الضّيعة المستجدة. فانكتّم الحال عن المنصور مدّة، ثم إنّ أعداء أبي أيّوب وجدوا هذا طريقا إلى السّعاية به، فأعلموا المنصور الحال، فانحدر بنفسه إلى هناك، فأمر أبو أيّوب أن تبنى بيوت على جانب الشطّ ويغرس فيها كرم ويخضر حواليها. فلما فعل ذلك اجتاز المنصور بها
_________________
(١) ابن شبرمة: الشّبرمة: واحدة الشّبرم وهو نبات مخدّر. ولم نعثر على ترجمة لابن شبرمة هذا.
[ ١٧٣ ]
فقال له أبو أيوب: هذه هي الضّيعة. فرأى المنصور العمارة والخضرة فكاد الأمر يشتبه عليه، فأعلمه أعداء أبي أيوب صورة الحال، فركب بنفسه وأخذ الأدلاء معه وطاف الضّيعة فوجدها عاطلة لا عمارة فيها، فعرف القصّة وتنبّه على خيانة أبي أيوب فنكبه وقتله، وقتل أقاربه واستصفى أموالهم. وقال ابن حبيبات الشاعر الكوفيّ في ذلك:
قد وجدنا الملوك تحمد من أعطته طوعا أزمّة التّدبير
فإذا ما رأوا له النّهي والأمر أتوه من بأسهم بنكير
شرب الكأس بعد حفص سليمان ودارت عليه كفّ المدير
ونجا خالد بن برمك منها إذ دعوه من بعدها بالأمير
أسوأ العالمين حالا لديهم من تسمّى بكاتب أو وزير
(خفيف)