هو معاوية بن أبي سفيان، صخر بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف كان أبوه أبو سفيان أحد أشياخ مكّة، أسلم في السنة التي فتح الرسول﵌- فيها مكّة. وأسلم معاوية وكتب الوحي في جملة من كتبه بين يدي الرسول﵌- وكانت أمّه هند بنت عتبة شريفة في قريش أسلمت عام الفتح، وكانت في وقعة أحد. لما صرع حمزة بن عبد المطّلب﵁- عمّ رسول الله﵌- من طعنة الحربة التي طعنها. جاءت هند فمثّلت بحمزة، وأخذت قطعة من كبده فمضغتها حنقا عليه، لأنّه كان قد قتل رجالا من أقاربها. فلذلك يقال لمعاوية ابن آكلة الأكباد.
ولمّا فتح النبيّ﵌- مكّة، حضرت إليه متنكّرة في جملة نساء من نساء مكّة أتين لمبايعته. فلما تقدّمت هند لمبايعته اشترط- صلوات الله عليه وآله- شروط الإسلام عليها، وهو لا يعلم أنّها هند فأجابته بأجوبة قوية على خوفها منه، فلما قال لها وقالت، قال لها- صلوات الله عليه
[ ١٠٩ ]
وآله وسلم-: «تبايعنني على ألا تقتلن أولادكن؟» وكانوا في الجاهلية يقتلون الأولاد- فقالت هند: «أمّا نحن فقد ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا يوم بدر» فقال: «وعلى ألا تعصينني في معروف؟» قالت: «ما جلسنا هذا المجلس وفي عزمنا أن نعصيك» قال: «وعلى ألا تسرقن؟» قالت: «والله ما سرقت عمري شيئا، اللَّهمّ إلا أنني كنت آخذ من مال أبي سفيان شيئا في بعض الوقت» وكان أبو سفيان زوجها حاضرا، فحينئذ علم رسول الله﵌- أنّها هند، فقال هند؟ قالت: نعم، يا رسول الله! فلم يقل شيئا لأن الإسلام جبّ [١] ما قبله. وأما معاوية﵁- فكان عاقلا في دنياه، لبيبا عالما حليما، ملكا قويّا، جيّد السياسة حسن التّدبير لأمور الدنيا، عاقلا حكيما فصيحا، بليغا يحلم في موضع الحلم، ويشتد في موضع الشدة، إلا أن الحلم كان أغلب عليه. وكان كريما باذلا للمال، محبّا للرئاسة مشغولا بها. كان يفضل على أشراف رعيته كثيرا. فلا يزال أشراف قريش مثل عبد الله بن العبّاس، وعبد الله ابن الزبير، وعبد الله بن جعفر الطيّار وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأبان بن عثمان بن عفّان، وناس من آل أبي طالب﵃- يفدون عليه بدمشق فيكرم مثواهم، ويحسن قراهم، ويقضي حوائجهم ولا يزالون يحدّثونه أغلظ الحديث ويجبهونه أقبح الجبه [٢]، وهو يداعبهم تارة، ويتغافل عنهم أخرى، ولا يعيدهم إلا بالجوائز السنيّة، والصّلات الجمّة، قال يوما لقيس بن (سعد بن عبادة) [٣]- ﵁- وهو رجل من الأنصار: «يا قيس والله كنت أودّ أن تنكشف الحروب التي كانت بيني وبين عليّ﵇- وأنت حيّ» فقال قيس: (والله إني كنت أكره أن تنكشف تلك الحروب وأنت أمير المؤمنين)
_________________
(١) جبّ ما قبله: أزاله وأجلاه.
(٢) الجبه: المواجهة بالجبهة، الاستقبال وجها لوجه.
(٣) سعد بن عبادة: سيّد قبيلة الخزرج. أسلم وشهد غزوات العقبة وأحد والخندق. أقام بالشام مهاجرا ومات بحوران. وقيس بن سعد هو ولده، وكان ذا دالّة على الأمويين بشرف نسبه الأنصاريّ الخزرجي.
[ ١١٠ ]
فلم يقل له شيئا. وهذا من أجل ما كانوا يخاطبونه به!.
وبعث إلى رجل من الأنصار بخمسمائة دينار فاستقلها الأنصاريّ، وقال لابنه: خذها وامض إلى معاوية، فاضرب بها وجهه، وردّها عليه. وأقسم على ابنه أن يفعل ذلك. فجاء ابنه إلى معاوية ومعه الدراهم، قال: يا أمير المؤمنين:
إن أبي فيه حدّة وسرعة. وقد أمرني بكيت وكيت، وأقسم عليّ، وما أقدر على مخالفته. فوضع معاوية يده على وجهه وقال: افعل ما أمرك أبوك وارفق بعمّك.
فاستحيا الصبيّ ورمى بالدراهم، فضاعفها معاوية وحملها إلى الأنصاري. وبلغ الخبر يزيد ابنه، فدخل على معاوية غضبان وقال: «لقد أفرطت في الحلم حتى خفت أن يعدّ ذلك منك ضعفا وجبنا» فقال معاوية: «أي بنيّ: إنه لا يكون مع الحلم ندامة ولا مذمّة، فامض لشأنك، ودعني ورأيي» وبمثل هذه السيرة صار خليفة العالم وخضع له من أبناء المهاجرين والأنصار، كلّ من يعتقد أنه أولى منه بالخلافة. وكان معاوية﵁- من أدهى الدهاة: روي أنّ عمر بن الخطّاب﵁- قال لجلسائه: تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما، وعندكم معاوية؟! ومن دهائه ما اعتهده من استمالة عمرو بن العاص. وكان عمرو بن العاص أحد الدهاة، وكان أوّل ما نشبت الفتنة بين أمير المؤمنين عليّ﵇- ومعاوية معتزلا للفريقين، فرأى معاوية أن يستميله ويتقوّى برأيه، ودهائه ومكره فاستماله ووصل حبله بحبله [١] وولاه مصر ودخل معه في تلك المداخل، وفعل في صفين تلك الأفاعيل. ولم يكن بينهما مع ذلك مودّة قلبيّة، وكانا يتباغضان سرّا، وربّما ظهر ذلك على صفحات وجوههما. وفلتات ألسنتهما:
طلب أمير المؤمنين﵇- في صفّين [٢] من معاوية أن يخرج إلى مبارزته فقال له عمرو بن العاص﵁-: قد أنصفك ولا يحسن بك النكول عن مبارزته فقال له معاوية: غششتني وأحببت قتلي. ألست تعلم أن ابن
_________________
(١) وصل حبله بحبله: كناية عن العلاقة والاتّصال.
(٢) صفّين: معركة سبق ذكرها، وقعت بين عليّ وأنصاره من جهة وبين معاوية وأنصاره من جهة أخرى. وأعقبها قبول عليّ للتحكيم مكرها. وكان ذلك عام/ ٣٧/ هـ.
[ ١١١ ]
أبي طالب لا يبرز له أحد إلا قتله؟!.
وقال معاوية يوما لجلسائه: ما أعجب الأشياء؟ فقال يزيد: أعجب الأشياء هذا السّحاب الراكد بين السماء والأرض، لا يدعمه شيء من تحته، ولا هو منوط بشيء من فوقه. وقال أخر: أعجب الأشياء حظّ يناله جاهل، وحرمان يناله عاقل. وقال آخر: أعجب الأشياء ما لم ير مثله. وقال عمرو بن العاص: أعجب الأشياء أن المبطل يغلب المحقّ (يعرّض بعليّ ﵇ ومعاوية) فقال معاوية بل أعجب الأشياء أن يعطى الإنسان ما لا يستحقّ إذا كان لا يخاف. (يعرض بعمرو ومصر) فنفث كلّ منهما بما في صدره من الآخر!.
واعلم أنّ معاوية كان مربّي دول، وسائس أمم، وراعي ممالك. ابتكر في الدولة أشياء لم يسبقه أحد إليها، منها: أنّه أوّل من وضع الحشم للملوك، ورفع الحراب بين أيديهم، ووضع المقصورة التي يصلّي الملك أو الخليفة بها في الجامع منفردا من الناس. وذلك لخوفه ممّا جرى لأمير المؤمنين﵇- فصار يصلّي منفردا في مقصورة، فإذا سجد قام الحرس على رأسه بالسيوف. وهو أوّل من وضع البريد لوصول الأخبار بسرعة.