كان أبو سلمة سمحا كريما مطعاما كثيرا، مشغوفا بالتنوّق [٢] في السّلاح والدوابّ، فصيحا عالما بالأخبار والأشعار والسّير والجدل والتفسير، حاضر الحجّة ذا يسار ومروءة ظاهرة فلما بويع السفّاح استوزره وفوّض الأمور إليه وسلّم إليه الدّواوين ولقّب وزير آل محمّد، وفي النفس أشياء. وخاف السفّاح إن هو قتل وزيره أبا سلمة أن يستشعر أبو مسلم ويتنمّر، فتلطف لذلك، وكتب إلى أبي مسلم كتابا يعلمه فيه بما عزم عليه أبو سلمة من نقل الدولة عنهم، ويقول له: إنّني قد وهبت جرمه لك- وباطن الكتاب يقتضي تصويب الرأي في قتل أبي سلمة- وأرسل الكتاب مع أخيه المنصور. فلمّا قرأ أبو مسلم الكتاب فطن لغرض السفّاح.
فأرسل قوما من أهل خراسان قتلوا أبا سلمة، فقال الشاعر:
_________________
(١) نمّ: ظهر.
(٢) التنوّق: إجادة الاختيار، التأنّق.
[ ١٥٢ ]
إنّ الوزير وزير آل محمد أودى [١]، فمن يشناك [٢] كان وزيرا
إنّ السلامة قد تبين وربما كان السرور بما كرهت جديرا
(كامل) واختلفوا فيمن وزر للسفّاح بعده. فقيل: أبو الجهم. وقيل: عبد الرحمن. فأما أبو الجهم فوزر للسفاح مدّة، فلما أفضت الخلافة إلى المنصور كان في نفسه منه أمور فسمّه في سويق [٣] اللّوز فلما أحسّ بالسمّ قام ليذهب، فقال له المنصور: إلى أين؟ قال: إلى حيث بعثتني يا أمير المؤمنين.
وأمّا الصّولي [٤] فقال: إنّ السفّاح استوزر بعد أبي سلمة خالد بن برمك.