لما جلس الرشيد على سرير المملكة، استوزر يحيى بن خالد بن برمك، وكان كاتبه ونائبة ووزيره قبل الخلافة، فنهض يحيى بن خالد بأعباء الدولة أتمّ نهوض، وسدّ الثغور وتدارك الخلل، وجبى الأموال وعمّر الأطراف، وأظهر رونق الخلافة، وتصدّى لمهمّات المملكة، وكان كاتبا بليغا، لبيبا أديبا سديدا، صائب الآراء حسن التدبير ضابطا لما تحت يده قويّا على الأمور، جوادا يباري الريح كرما وجودا، ممدّحا بكلّ لسان، حليما عفيفا وقورا مهيبا، وله يقول القائل:
لا تراني مصافحا كفّ يحيى إنّني إن فعلت ضيّعت مالي
لو يمسّ البخيل راحة يحيى لسخت نفسه ببذل النّوال
ومن آراء يحيى السّديدة، ما قاله للهادي وقد عزم على أن يخلع أخاه هارون من الخلافة ويبايع لابنه جعفر بن الهادي- وكان يحيى كاتب الرشيد وهو يترجّى أن يتولّى هارون الخلافة فيصير هو وزير الدولة- فخلا الهادي بيحيى
_________________
(١) اللهف: الملهوف، المضطر إلى العون والمساعدة.
(٢) الطّريد: الملاحق الخائف.
[ ١٩٧ ]
ووهب له عشرين ألف دينار وحادثة في خلع هارون أخيه والمبايعة لجعفر ابنه، فقال له يحيى: «يا أمير المؤمنين، إن فعلت حملت الناس على نكث الأيمان [١] ونقض العهود، وتجرّأ الناس على مثل ذلك ولو تركت أخاك هارون على ولاية العهد، ثمّ بايعت لجعفر بعده، كان ذلك أوكد في بيعته، فترك الهادي الأمر مدة ثم غلب عليه حبّ الولد، فأحضر يحيى مرّة ثانية وفاوضه في ذلك، فقال له يحيى:
يا أمير المؤمنين، لو حدث بك حادث الموت، وقد خلعت أخاك وبايعت لابنك جعفر وهو صغير دون البلوغ- أفترى كانت خلافته تصحّ، وكان مشايخ بني هاشم يرضون ذلك ويسلّمون الخلافة إليه؟ قال: لا، قال يحيى: فدع هذا الأمر حتى يأتيه عفوا، ولو لم يكن المهديّ بايع لهارون لوجب أن تبايع أنت له لئلا تخرج الخلافة من بني أبيك، فصوّب الهادي رأيه، وكان الرشيد بعد ذلك يرى هذه من أعظم أيادي يحيى بن خالد عنده.
ومن مكارمه: قيل: إنّ الرشيد لمّا نكب البرامكة واستأصل شأفتهم، حرّم على الشعراء أن يرثوهم، وأمر بالمؤاخذة على ذلك، فاجتاز بعض الحرّاس ببعض الخربات فرأى إنسانا واقفا، وفي يده رقعة فيها شعر يتضمّن رثاء البرامكة، وهو ينشد ويبكي فأخذه الحرس فأتي به إلى الرّشيد وقصّ عليه الصّورة، فاستحضره الرشيد وسأله عن ذلك فاعترف به، فقال له الرشيد، أما سمعت تحريمي لرثائهم؟
لأفعلنّ بك ولأصنعنّ فقال: يا أمير المؤمنين، إن أذنت لي في حكاية حالي حكيتها، ثمّ بعد ذلك أنت ورأيك قال: قل، قال: إنّي كنت من أصغر كتّاب يحيى بن خالد وأرقّهم حالا، فقال لي يوما: أريد أن تضيفني في دارك يوما، فقلت: يا مولانا أنا دون ذلك، وداري لا تصلح لهذا، قال: لا بدّ من ذلك، قلت: فإن كان لا بدّ فأمهلني مدة حتّى أصلح شأني ومنزلي، ثمّ بعد ذلك أنت ورأيك، قال: كم أمهلك؟
قلت: سنة، قال: كثير قلت فشهورا، قال: نعم فمضيت وشرعت في إصلاح المنزل وتهيئة أسباب الدعوة فلما تهيأت الأسباب أعلمت الوزير بذلك، فقال: نحن
_________________
(١) نكث الأيمان: نقض البيعة، وإخلاف اليمين والعهد.
[ ١٩٨ ]
غدا عندك، فمضيت وتهيّأت في الطعام والشراب وما يحتاج إليه فحضر الوزير في غد ومعه ابناه جعفر والفضل وعدّة يسيرة من خواصّ أتباعه، فنزل عن دابّته ونزل ولداه جعفر والفضل، وقال: يا فلان أنا جائع فعجّل لي بشيء، فقال لي الفضل ابنه: الوزير يحبّ الفراريج المشويّة فعجّل منها ما حضر، فدخلت وأحضرت منها شيئا فأكل الوزير ومن معه، ثم قام يتمشّى في الدار وقال: يا فلان فرّجنا في دارك، فقلت يا مولانا هذه هي داري ليس لي غيرها، قال: بل لك غيرها قلت والله ما أملك سواها، فقال: هاتوا بنّاء، فلما حضر قال له: افتح في هذا الحائط بابا، فمضى ليفتح، فقلت: يا مولانا، كيف يجوز أن يفتح باب إلى بيوت الجيران، والله أوصى بحفظ الجار؟ قال: لا بأس في ذلك، ثمّ فتح الباب، فقام الوزير وأبناؤه فدخلوا فيه وأنا معهم، فخرجوا منه إلى بستان حسن كثير الأشجار، والماء يتدفّق فيه، وبه من المقاصير والمساكن ما يروق كلّ ناظر، وفيه من الآلات والفرش والخدم والجواري كلّ جميل بديع، فقال: هذا المنزل وجميع ما فيه لك، فقبّلت يده ودعوت له وتحقّقت القصّة، فإذا هو من يوم حادثني في معنى الدعوة قد أرسل واشترى الأملاك المجاورة لي وعمرها دارا حسنة، ونقل إليها من كلّ شيء وأنا لا أعلم، وكنت أرى العمارة فأحسبها لبعض الجيران، فقال لابنه جعفر: يا بنيّ، هذا منزل وعيال، فالمادّة من أين تكون له؟ قال جعفر: قد أعطيته الضّيعة الفلانيّة بما فيها وسأكتب له بذلك كتابا، فالتفت إلى ابنه الفضل، وقال له:
يا بني، فمن الآن إلى أن يدخل دخل هذه الضيعة ما الّذي ينفق؟ فقال الفضل: عليّ عشرة آلاف دينار أحملها إليه، فقال: فعجّلا له ما قلتما، فكتب لي جعفر بالضّيعة وحمل الفضل إليّ المال فأثريت وارتفعت حالي، وكسبت بعد ذلك معه مالا طائلا، أنا أتقلب فيه إلى اليوم فو الله يا أمير المؤمنين ما أجد فرصة أتمكّن فيها الثناء عليهم والدّعاء لهم إلا انتهزتها مكافأة لهم على إحسانهم ولن أقدر على مكافأتهم! فان كنت قاتلي على ذلك فافعل ما بدا لك. فرقّ الرشيد لذلك وأطلقه، وأذن لجميع الناس في رثائهم.
[ ١٩٩ ]
قيل: إنّ هارون حجّ ومعه يحيى بن خالد بن برمك، ومعه ولداه الفضل وجعفر فلمّا وصلوا إلى مدينة الرّسول- صلوات الله عليه- جلس الرشيد ومعه يحيى فأعطيا الناس، وجلس الأمين ومعه الفضل بن يحيى فأعطيا الناس، وجلس المأمون ومعه جعفر فأعطيا الناس، فأعطوا في تلك السنة ثلاث أعطيات ضربت بكثرتها الأمثال، وكانوا يسمونه عام الأعطيات الثلاث، وأثرى الناس بسبب ذلك.
وفي ذلك يقول الشّاعر:
أتانا بنو الآمال من آل برمك فيا طيب أخبار ويا حسن منظر
لهم رحلة في كلّ عام إلى العدا وأخرى إلى البيت العتيق المستّر
إذا نزلوا بطحاء مكّة أشرقت بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فتظلم بغداد وتجلو لنا الدجى بمكة ما تمحو ثلاثة أقمر
فما خلقت إلّا لجود أكفّهم وأقدامهم إلّا لأعواد منبر
إذا راض يحيى الأمر ذلّت صعابه وناهيك من راع له ومدبّر
(طويل) كان يحيى يقول: ما خاطبني أحد إلا هبته حتّى يتكلم فإذا تكلم كان بين اثنتين إما أن تزيد هيبته، أو تضمحلّ. وكان يقول: المواعيد شباك الكرام يصيدون بها محامد الأحرار. كان يحيى إذا ركب يعدّ صررا في كلّ صرّة مائتا درهم يدفعها إلى المتعرّضين له.