كان الفضل من كرام الدنيا وأجواد أهل عصره. وكان قد أرضعته أمّ هارون الرشيد، وأرضعت أمّه الرّشيد، وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة:
_________________
(١) مروان بن أبي حفصة: شاعر عباسي فحل، مجوّد لشعره، مدح الرشيد ومن قبله من الخلفاء العباسيين، واشتهر مدحه لمعن بن زائدة الشيبانيّ. توفي عام/ ١٨١/ هـ.
[ ٢٠٠ ]
كفى لك فخرا أنّ أكرم حرّة غذتك بثدي والخليفة واحد
لقد زنت يحيى في المشاهد كلّها كما زان يحيى خالدا في المشاهد
(طويل) ولّاه الرشيد خراسان فخرج إليه أبو الهول الشاعر مادحا. معتذرا من شعر كان هجاه به، فأنشده:
سرى نحوه من غضبة الفضل عارض له لجة فيها البوارق والرّعد
وكيف ينام الليل ملق فراشه على مدرج يعتاده الأسد الورد
وما لي إلى الفضل بن يحيى بن خالد من الجرم ما يخشى على مثله الحقد
فجد بالرّضا لا أبتغي منك غيره ورأيك فيما كنت عوّدتني بعد
(طويل) فقال له الفضل: لا أحتمل تفريقك بين رضاي وإحساني، وهما مقرونان فإن أردتهما معا وإلّا فدعهما معا، ثم وصله ورضي عنه.
حدّث إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: كنت قد ربّيت جارية حسنة الوجه وثقفتها وعلّمتها حتّى برعت، ثم أهديتها إلى الفضل بن يحيى، فقال لي:
يا إسحاق إن رسول صاحب مصر قد ورد إليّ يسألني حاجة أقترحها عليه، فدع هذه الجارية عندك فإنّني سأطلبها وأعلمه أني أريدها، فإنّه سوف يحضر إليك يساومك فيها، فلا تأخذ فيها أقلّ من خمسين ألف دينار، قال إسحاق: فمضيت بالجارية إلى منزلي، فجاء إليّ رسول صاحب مصر وسألني عن الجارية، فأخرجتها إليه، فبذل فيها عشرة آلاف دينار فامتنعت، فصعد إلى عشرين ألف دينار، فامتنعت، فصعد إلى ثلاثين ألفا، فما ملكت نفسي حتى قلت له: بعتك، وسلّمت الجارية إليه وقبضت منه المال، ثم إنني أتيت من الغد إلى الفضل بن يحيى، فقال لي:
يا إسحاق: بكم بعت الجارية؟ قلت بثلاثين ألف دينار، قال: ألم أقل لك لا تأخذ منه أقلّ من خمسين ألفا؟ قلت: فداك أبي وأمي والله ما ملكت نفسي منذ سمعت لفظة ثلاثين ألفا! فتبسّم ثمّ قال: إنّ رسول صاحب الروم قد سألني أيضا حاجة، وسأقترح عليه هذه الجارية وأدلّه عليك، فخذ جاريتك وانصرف إلى منزلك، فإذا
[ ٢٠١ ]
ساومك فيها فلا تأخذ منه أقلّ من خمسين ألف دينار فأخذت الجارية وانصرفت إلى منزلي، فأتاني رسول صاحب الروم وساومني في الجارية فطلبت خمسين ألفا، فقال: هذا كثير ولكن تأخذ منّي ثلاثين ألفا، فو الله ما ملكت نفسي منذ سمعت لفظة ثلاثين ألفا حتى قلت له: قد بعتك! ثم قبضت المال منه وسلّمت الجارية إليه، ومضيت من الغد إلى الفضل بن يحيى، فقال: ما صنعت؟ وبكم بعت الجارية يا إسحاق؟ قلت: بثلاثين ألفا، قال: سبحان الله! ما أوصيتك ألا تأخذ فيها أقلّ من خمسين ألفا، قلت: جعلت فداك! والله إنّي لما سمعت قوله: ثلاثين ألفا استرخت جميع أعضائي! فضحك وقال: خذ جاريتك واذهب إلى منزلك، ففي غد يجيء إليك رسول صاحب خراسان فقوّ نفسك، ولا تأخذ منه أقلّ من خمسين ألفا قال إسحاق. فأخذت الجارية ومضيت إلى منزلي، فجاءني رسول صاحب خراسان وساومني فيها، فطلبت خمسين ألفا، فقال لي: هذا كثير، ولكن تأخذ ثلاثين ألفا فقويت نفسي وامتنعت فصعد معي إلى أربعين ألف دينار فكاد عقلي يذهب من الفرح ولم أتمالك أن قلت له: بعتك. فأحضر المال وأقبضنيه وسلّمت الجارية إليه ومضيت من الغد إلى الفضل. فقال لي: يا إسحاق، بكم بعت الجارية؟ قلت بأربعين ألفا، والله لما سمعتها منه كاد عقلي يذهب، وقد حصل عندي- جعلت فداك- مائة ألف دينار ولم يبق لي أمل، فأحسن الله جزاءك، فأمر بالجارية فأخرجت إليّ، وقال: يا إسحاق: خذ جاريتك وانصرف. قال إسحاق: فقلت: هذه الجارية والله أعظم الناس بركة فأعتقتها وتزوّجتها فولدت لي أولادي.
قيل: إنّ محمّد بن إبراهيم الإمام بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس، حضر يوما عند الفضل بن يحيى ومعه سفط فيه جوهر، وقال له: إنّ حاصلي قد قصّر عمّا أحتاج إليه، وقد علاني دين مبلغه ألف درهم، وإني أستحي أن أعلم أحدا بذلك وآنف أن أسأل أحدا من التجار أن يقرضني ذلك، وإن كان معي رهن يفي بالقيمة وأنت- أبقاك الله- لك تجار يعاملونك، وأنا أسألك أن تقترض لي من أحدهم هذا المبلغ وتعطيه هذا الرهن، فقال له الفضل: السّمع والطاعة، ولكنّ نجح هذه الحاجة أن تقيم عندي هذا اليوم، فأقام ثمّ إن الفضل أخذ السّفط منه وهو مختوم
[ ٢٠٢ ]
بختمه، وأرسل معه ألف ألف درهم، ونفّذ الدراهم والسّفط إلى منزله، وأخذ خطّ وكيله بقبضه، وأقام محمّد في دار الفضل إلى آخر النهار، ثم انصرف إلى داره، فوجد السفط ومعه ألف ألف درهم فسرّ بذلك سرورا عظيما، فلمّا كان الغد بكّر إلى الفضل ليشكره على ذلك فوجده قد بكّر إلى دار الرّشيد فمضى محمّد إلى الرشيد، فلمّا علم الفضل به خرج من باب آخر ومضى إلى دار أبيه فمضى محمّد إليه وشكره على فعله، وقال له: إنّي بكرت إليك لأشكرك على إحسانك، فقال له الفضل: إنّي فكّرت في أمرك فرأيت أنّ هذه الألف ألف التي حملتها أمس إليك لتقضي بها دينك ثم تحتاج فتقترض، فبعد قليل يعلوك مثلها، فبكرت اليوم إلى أمير المؤمنين وعرضت عليه حالك، وأخذت لك مائة ألف ألف درهم أخرى، ولمّا حضرت إلى أمير المؤمنين خرجت أنا بباب آخر، وكذلك فعلت لما حضرت إلى باب أبي، لأني ما كنت أوثر أن ألقاك حتّى يحمل المال إلى منزلك، وقد حمل.
فقال له محمّد: بأيّ شيء أجازيك على هذا الإحسان؟ ما عندي شيء أجازيك به إلّا أني ألتزم بالأيمان المؤكدة وبالطلاق والعتاق والحجّ، أنّي ما أقف على باب غيرك ولا أسأل سواك.
قالوا وحلف محمد أيمانا مؤكدة وكتب بها خطّه، وأشهد بها عليه أنه لا يقف بباب غير باب الفضل بن يحيى، فلما ذهبت دولة البرامكة وتولّى الفضل بن الربيع، فلم يفعل والتزم باليمين، فلم يركب إلى أحد، ولم يقف على باب أحد حتّى مات.