حدّث يعقوب بن داود قال استدعاني المهديّ يوما فدخلت عليه، وهو في مجلس في وسط بستان، ورءوس الشجر مع أرض ذلك المجلس، وقد امتلأت رءوس الشّجر من الأزهار المتنوعة، وقد فرش المجلس بفرش مورّدة، وبين يديه جارية حسناء لم أر أحسن وجها منها، فقال لي: يعقوب. كيف ترى هذا المجلس قلت: في غاية الحسن، فهنّأ الله أمير المؤمنين قال: فهو لك وجميع ما فيه ومائة ألف درهم وهذه الجارية ليتمّ سرورك. فدعوت له قال: ولي إليك حاجة أريد أن تضمن لي قضاءها قلت: يا أمير المؤمنين، أنا عبدك الطائع لجميع ما تأمر به، فدفع إليّ رجلا علويّا وقال: أحبّ أن تكفيني أمره، فإنّي خائف أن يخرج عليّ.
قال: فقلت: السّمع والطاعة قال: تحلف لي؟ فحلفت له باللَّه أن أفعل ما يريد.
_________________
(١) الصهباء: من ألقاب الخمرة، لونها أصهب مائل إلى الحمرة.
(٢) النّشر: الرائحة المنتشرة.
(٣) حبس التخليد: السجن المؤبّد، مدى الحياة.
[ ١٨٣ ]
ثمّ نقل جميع ما كان في المجلس إلى منزلي، والجارية أيضا فمن شدّة سروري بالجارية جعلتها في موضع قريب من مجلسي وليس بيني وبينها سوى ستر رقيق.
قال: وأدخلت العلويّ إليّ وخاطبته، فرأيت أتمّ الناس عقلا، فقال لي يا يعقوب تلقى الله بدمي، وأنا ابن عليّ بن أبي طالب وابن فاطمة﵄- وليس لي إليك ذنب؟ قال فقلت: لا والله، خذ هذا المال وأنج بنفسك. قال:
والجارية تسمع كلّ ذلك فأرسلت إلى المهديّ دسيسا [١] أعلمه بالقصّة، فأرسل المهديّ، وشحن [٢] الدّروب بالرّجال حتى حصّل العلويّ وجعله في بيت قريب من مجلسه، ثمّ استدعاني فحضرت، فقال: يا يعقوب، ما فعلت بالعلويّ؟ قلت:
قد أراح الله منه أمير المؤمنين، قال: مات؟ قلت: نعم، قال: باللَّه؟ قلت، إي والله، قال: فضع يدك على رأسي واحلف به، قال يعقوب: فوضعت يدي على رأسه وحلفت به، فقال لبعض الخدم. أخرج إلينا من في هذا البيت قال: فأخرج العلويّ. فلما رأيته امتنع الكلام عليّ وتحيّرت في أمري، فقال المهديّ: يا يعقوب قد حلّ لي دمك، احملوه إلى «المطبق» قال يعقوب فدلّيت بحبل في بئر مظلمة لا أرى فيها الضوء، وكان يأتيني في كلّ يوم ما أتقوّت به، فمكثت مدّة لا أدري كم هي، وذهب بصري ففي بعض الأيّام دلّي لي حبل وقيل: اصعد، قد جاء الفرج. فصعدت وقد طال شعري وأظافيري، فأدخلت الحمّام وأصلحوا شأني وألبسوني ثيابا، ثمّ قادوني إلى مجلس فقيل لي سلم على أمير المؤمنين. فقلت:
السلام عليك يا أمير المؤمنين، وقيل لي: على أيّ أمراء المسلمين سلّمت؟ قلت:
على أمير المؤمنين المهديّ، فسمعت قائلا من صدر المجلس يقول: رحم الله المهديّ: ثم قيل لي: سلّم على أمير المؤمنين، فقلت السّلام عليك يا أمير المؤمنين فقيل لي: على أيّ أمراء المؤمنين سلّمت؟ فقلت: على أمير المؤمنين الهادي، فسمعت قائلا يقول من صدر المجلس: رحم الله الهادي. ثمّ قيل لي سلّم، فسلّمت
_________________
(١) دسيسا: جاسوسا، مخبرا سرّيا.
(٢) شحن: ملأ.
[ ١٨٤ ]
فقيل لي: على من سلّمت؟ قلت: على أمير المؤمنين هارون الرّشيد، فقال:
وعليك السّلام يا يعقوب ورحمة الله وبركاته، أعزز عليّ بما نالك فجعلت المهديّ في حلّ ودعوت للرّشيد وشكرته على خلاصي. ثمّ قال: ماذا تريد يا يعقوب؟ قلت يا أمير المؤمنين، ما بقي في مستمع ولا بلاغ، وأريد المجاورة بمكّة، فأمر لي بما يصلحني. ثم توجّه يعقوب إلى مكّة وجاور بها، ولم تطل أيّامه حتّى مات هناك سنة ستّ وثمانين ومائة.