كان الجند قد شغبوا على المنصور، فقال المنصور لقثم بن العبّاس بن عبيد الله ابن العبّاس ما ترى التياث [١] الجند؟ وإني خائف أن تجتمع كلمتهم! فقال له يا أمير المؤمنين الرّأي أن تعبّر ابنك إلى الجانب الشرقيّ وتعبّر معه قطعة من العسكر وتبني له مدينة فيصير هو في مدينة وعسكر بالجانب الشرقيّ، وأنت في مدينة وعسكر بالغربيّ. فإن رأيك حدث من أحد الجانبين استعنت عليه بالجانب الآخر،
_________________
(١) التياث الجند: شغبهم واحتجاجهم.
[ ١٧٠ ]
فقبل قوله وبنى الرّصافة. وتمّت الرّصافة وصار الخلفاء بعد ذلك يدفنون موتاهم بها وبنوا بها التّرب الجليلة وحملوا إليها من الفرش العظيم والآلات الجليلة ما يتجاوز الحصر ووقفوا عليها من النّواحي والأقرحة [١] والعقارات جملة كثيرة وكانت في أيّامهم حرما إذا لجأ إليها الخائف أمن.
ومات المنصور محرما بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة؟ فكتم الرّبيع [٢] أمره لأجل البيعة للمهديّ. فيقال إنه أجلسه وسنده وجعل على وجهه كلّة خفيفة، يرى وجهه منها ولا يفهم أمره. وأذن لوجوه بني هاشم، فلمّا دخلوا ووقفوا بين يديه وهم يحسبون أنّه حيّ تقدّم الربيع إليه كأنه يشاوره ثمّ عاد إليهم، وقال: أمير المؤمنين يأمركم بتجديد البيعة للمهديّ، فبايع الناس طرّا [٣] .
وقيل: إنّ المهديّ لما بلغه ذلك استخفّ بالرّبيع وقال: ما منعتك هيبة أمير المؤمنين من هذا الفعل به.