لا بدّ قبل الخوض في ذلك من تقديم كلمات في هذا المعنى، فأقول:
الوزير وسيط بين الملك ورعيته، فيجب أن يكون في طبعه شطر يناسب طباع الملوك، وشطر يناسب طباع العوامّ، ليعامل كلّا من الفريقين بما يوجب له القبول والمحبّة. والأمانة والصدق رأس ماله. قيل: إذا خان السفير بطل التّدبير.
وقيل: ليس لمكذوب رأي. والكفاءة والشهامة من مهمّاته، والفطنة والتيقّظ والدّهاء والحزم من ضروريّاته. ولا يستغني أن يكون مفضالا مطعاما، ليستميل بذلك الأعناق، وليكون مشكورا بكلّ لسان. والرّفق والأناة والتّثبت في الأمور، والحلم والوقار والتمكّن ونفاذ القول، ممّا لا بدّ له منه.
_________________
(١) استئصال الشأفة: الإزالة من الأصل حتّى الفروع.
(٢) الأنبار: جنوب غرب العراق.
[ ١٤٩ ]
لما استوزر الناصر وزيره مؤيد الدين محمّد بن برز القمّي خلع عليه خلع الوزارة ثمّ جلس القمّي في منصب الوزارة والناس جميعا بين يديه فبرز من حضرة الخليفة مكتوب لطيف في قدر الخنصر بخط يد الناصر، فقرئ على الجمع فكان فيه.
«بسم الله الرحمن الرحيم. محمّد بن برز القمّي نائبنا في البلاد والعباد، فمن أطاعه فقد أطاعنا، ومن أطاعنا فقد أطاع الله، ومن أطاع الله أدخله الجنّة ومن عصاه فقد عصانا، ومن عصانا فقد عصى الله، ومن عصى الله أدخله النّار» .
فنبل [١] القمّي بهذا التوقيع في عيون الناس، وجلّت مكانته، وقامت له الهيبة في الصّدور.
والوزارة لم تمتهد قواعدها وتتقرّر قوانينها، إلا في دولة بني عبّاس. فأما قبل ذلك، فلم تكن مقنّنة القواعد، ولا مقرّرة القوانين بل كان لكل واحد من الملوك أتباع وحاشية، فإذا حدث أمر استشار بذوي الحجا [٢] والآراء الصّائبة، فكلّ منهم يجرى مجرى وزير. فلما ملك بنو العبّاس تقرّرت قوانين الوزارة وسمّي الوزير وزيرا، وكان قبل ذلك يسمّى كاتبا أو مشيرا.
قال أهل اللغة: الوزير: الملجأ والمعتصم. والوزير. الثّقل فالوزير إما مأخوذ من الوزر فيكون معناه أن يحمل الثّقل، أو يكون مأخوذا من الوزر، فيكون المعنى أنه يرجع ويلجأ إلى رأيه وتدبيره. وكيف تقلّبت لفظة «وزر» كانت دالة على الملجأ والثّقل.
أوّل وزير وزر لأوّل خليفة عباسيّ، حفص بن سليمان أبو سلمة الخلال.
كان مولى لبني الحارث بن كعب. قيل في تلقيبه بالخلال ثلاثة أوجه: أحدها أنّ منزله بالكوفة كان قريبا من محلّة الخلالين [٣] . وكان يجالسهم فنسب إليهم، كما
_________________
(١) نبل: بدا نبيلا.
(٢) الحجا: العقل.
(٣) الخلالين: صانعي الخلّ وبائعيه.
[ ١٥٠ ]
نسب الغزّالي إلى الغزّالين، وكان يجالسهم كثيرا. ورأيت في تسمية الغزّاليّ وجها آخر: قيل: كان من رأيه الصّدقة على النساء العجائز اللواتي يحضرن إلى دار الغزل ليبعن غزلهنّ، فيرى ضعفهن وفقرهنّ ونزارة [١] مكسبهنّ، فيرقّ لهنّ فيتصدّق عليهنّ كثيرا، ويأمر بالصّدقة عليهنّ فنسب إلى ذلك. وثانيها، أنه كان له حوانيت يعمل فيها الخلّ فنسب إلى ذلك وثالثها أنها نسبة إلى خلل السّيوف، وهي أغمادها.
كان أبو سلمة من مياسير [٢] أهل الكوفة، وكان ينفق ماله على رجال الدعوة وكان سبب وصلته إلى بني العبّاس أنه كان صهرا لبكير بن ماهان، وكان بكير بن ماهان كاتبا خصيصا بإبراهيم الإمام فلمّا أدركته الوفاة قال لإبراهيم الإمام إن لي صهرا بالكوفة يقال له أبو سلمة الخلال. قد جعلته عوضي في القيام بأمر دعوتكم. ثم مات فكتب إبراهيم الإمام إلى أبي سلمة يعلمه بذلك ويأمره بما يريد من أمر الدعوة وقام أبو سلمة بأمر دعوتهم قياما عظيما فلما سبر [٣] أحوال بني العبّاس عزم على العدول عنهم إلى بني عليّ﵇- فكاتب ثلاثة من أعيانهم:
جعفر بن محمّد الصادق﵉- وعبد الله المحض بن حسن بن حسن ابن عليّ بن أبي طالب﵈- وعمر الأشرف بن زين العابدين﵇- وأرسل الكتب مع رجل من مواليهم، وقال له: اقصد أوّلا جعفر بن محمّد الصادق، فإن أجاب فأبطل الكتابين الآخرين، وإن لم يجب فالق عبد الله المحض، فإن أجاب فأبطل كتاب عمر، وإن لم يجب فالق عمر، فذهب الرسول إلى جعفر ابن محمّد﵇- أوّلا، ودفع إليه كتاب أبي سلمة فقال ما لي ولأبي سلمة وهو شيعة [٤] لغيري؟ فقال له الرسول: اقرأ الكتاب فقال الصادق﵇- لخادمه: أدن السّراج مني، فأدناه، فوضع الكتاب على النار حتّى احترق فقال
_________________
(١) النّزارة: القلّة، النّزر: القليل.
(٢) مياسير: جمع ميسور وهو ذو الثراء واليسر، الغنيّ.
(٣) سبر: اختبر. قاس بالمسبار. المسبار: مقياس الطبيب لعمق الجرح.
(٤) الشّيعة: التابع الموالي. المؤيّد.
[ ١٥١ ]
الرسول: ألا تجيبه؟ قال: قد رأيت الجواب. ثم مضى الرسول إلى عبد الله المحض ودفع إليه الكتاب فقرأه وقبله وركب في الحال إلى الصادق﵇- وقال: هذا كتاب أبي سلمة يدعوني فيه إلى الخلافة، قد وصل على يد بعض شيعتنا من أهل خراسان فقال له الصادق﵇-: ومتى صار أهل خراسان شيعتك؟ أنت وجّهت إليهم أبا مسلم؟ هل تعرف أحدا منهم باسمه أو بصوته؟ فكيف يكونون شيعتك وأنت لا تعرفهم وهم لا يعرفونك؟ فقال عبد الله:
كان هذا الكلام منك لشيء، فقال الصادق قد علم الله أني أوجب النّصح على نفسي لكلّ مسلم فكيف أدّخره عنك؟ فلا تمنّ نفسك الأباطيل، فإن هذه الدولة ستتمّ لهؤلاء وقد جاءني مثل الكتاب الّذي جاءك. فانصرف عبد الله غير راض. وأما عمر بن زين العابدين، فإنه ردّ الكتاب وقال: أنا لا أعرف صاحبه، فأجيبه، ثم غلب أبو سلمة على رأيه وعملت الدعوة عملها وبويع السفّاح ونمّ [١] الخبر إليه فحقدها على أبي سلمة وقتله.