هو محمّد بن عبد الله المحض بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (﵈) . كان النفس الزكيّة من سادات بني هاشم ورجالهم فضلا وشرفا ودينا وعلما وشجاعة، وفصاحة ورياسة وكرامة ونبلا. وكان في ابتداء الأمر قد شيع بين الناس أنّه «المهديّ» الّذي بشّر به، وأثبت أبوه هذا في نفوس طوائف من الناس وكان يروى أنّ الرسول- صلوات الله عليه وسلامه- قال: «لو بقي من الدّنيا يوم لطوّل الله ذلك اليوم، حتّى يبعث فيه مهديّنا أو قائمنا، اسمه كاسمي واسم أبيه كاسم أبي» فأمّا الإماميّة: فيروون هذا الحديث خاليا «من اسم أبيه كاسم أبي» .
فكان عبد الله المحض يقول للناس عن ابنه محمّد: هذا هو المهديّ الّذي بشّر به. هذا محمّد بن عبد الله. ثم ألقى الله محبّته على الناس فمالوا إليه كافّة، ثمّ عضد ذلك أنّ أشراف بني هاشم بايعوه ورشّحوه للأمر، فقدّموه على نفوسهم فزادت رغبته في طلب الأمر. وزادت رغبة الناس فيه، وما زال متغرّبا منذ أفضت الدولة إلى بني العبّاس خوفا منهم على نفسه. فلمّا علم بما جرى لوالده ولقومه ظهر بالمدينة وأظهر أمره، وتبعه أعيان المدينة، ولم يتخلف عنه إلا نفر يسير، ثم غلب على المدينة وعزل عنها أميرها من قبل المنصور، ورتّب عليها عاملا وقاضيا، وكسر أبواب السّجون وأخرج من بها، واستولى على المدينة.
ومنذ خرج محمّد بن عبد الله وفعل ما فعل بالمدينة توجّه رجل يقال له: «أوس العامريّ» من المدينة إلى المنصور في تسعة أيّام وقدم ليلا، فوقف على أبواب المدينة فصاح حتّى علموا به فأدخلوه فقال الربيع الحاجب: ما حاجتك في هذه
[ ١٦٣ ]
الساعة وأمير المؤمنين نائم؟ قال لا بدّ لي منه. فدخل الربيع وأخبر المنصور خبره وأدخله إليه، فقال: يا أمير المؤمنين، خرج محمد بن عبد الله بالمدينة وفعل وصنع. قال: أنت رأيته؟ قال: نعم وعاينته على منبر رسول الله- صلوات الله عليه وسلامه- وخاطبته. فأدخله المنصور بيتا. ثمّ تواترت الأخبار عليه بذلك فأخرجه وقال له: سوف أفعل معك وأصنع وأغنيك. في كم ليلة وصلت من المدينة قال: في تسع ليال، فأعطاه تسعة آلاف درهم. ثمّ قام المنصور وقعد، وتراخت المدّة حتى تكاتبا وتراسلا. فكتب كلّ واحد منهما إلى صاحبه كتابا نادرا معدودا من محاسن الكتب، احتجّ فيه وذهب في الاحتجاج كلّ مذهب. وفي آخر الأمر ندب ابن أخيه عيسى بن موسى لقتاله، فتوجّه إليه عيسى بن موسى في عسكر كثيف، فالتقوا في موضع قريب من المدينة، فكانت الغلبة لعسكر المنصور، فقتل محمد بن عبد الله وحمل رأسه إلى المنصور، وذلك في سنة خمس وأربعين ومائة، ثم خرج أخوه إبراهيم بن عبد الله قتيل «باخمرى» بالبصرة.