لما انصرف أمير المؤمنين﵇- من وقعة الجمل، أرسل إلى معاوية﵁- يعرّفه اجتماع الناس على بيعته، ويعلمه ما كان من وقعة الجمل ويأمره بالدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار. وكان معاوية﵁- أميرا بالشأم من قبل عثمان﵁- وكان ابن عمّه [١] فلمّا ورد إلى معاوية﵁- رسول أمير المؤمنين عليّ﵇- خاف معاوية﵁- من عليّ﵇- وعلم أنّه متى استتبّ الأمر عزله ولم يستعمله. وقد كان ابن عبّاس [٢] والمغيرة [٣] بن شعبة﵄- أشارا على أمير المؤمنين﵇- أن يقرّ معاوية﵁- بالشأم مدّة حتى يبايع الناس ويتمكّن ثم يعزله بعد ذلك. فلم يطعهما ﵇، وقال: إني إن أقررته على إمارته ولو يوما واحدا، كنت عاصيا في ذلك اليوم الله تعالى. ولم تكن الخدع والحيل من مذهب عليّ﵇- ولم يكن عنده غير مرّ الحقّ. فحين ورد الرسول إلى معاوية﵁- طاوله، ثم استشار بعمرو بن العاص﵁- وكان أحد الدّهاة، وكان معاوية﵁- قد تألّفه واستماله ليتقوّى برأيه ودهائه
_________________
(١) قوله: (كان ابن عمّه: قصد أنّ معاوية كان ابن عمّ لعثمان بن عفّان من جهة جدّهما أبي العاص بن أميّة ومعاوية هو ابن أبي سفيان بن حرب بن أميّة.
(٢) ابن عبّاس: هو عبد الله بن عباس بن عبد المطّلب الصحابي المحدّث العالم، توفي/ ٦٨/ هـ.
(٣) المغيرة بن شعبة: صحابي من دهاة العرب كان واليا على البصرة لعمر ثم لعثمان، توفي/ ٥٠/ هـ.
[ ٩٤ ]
فأشار عمرو بن العاص على معاوية﵄- أن يظهر قميص الدم الّذي قتل فيه عثمان بن عفّان وأصابع زوجته﵄- ويعلّق ذلك على المنبر، ثمّ يجمع الناس ويبكي عليه ويلصق قتل عثمان بعليّ﵃- ويطالبه بدمه ليميل إليه أهل الشأم ويقاتلوا معه. فأخرج معاوية﵁- القميص والأصابع وعلّقه على المنبر وبكى واستبكى الناس، وذكّرهم بمصاب عثمان﵁- فانتدب أهل الشأم من كلّ جانب، وبذلوا له الطّلب بدم عثمان ﵁ والقتال معه على كل من آوى قتلته ثم كتب معاوية﵁ إلى أمير المؤمنين﵇- كتابا يذكر فيه ذلك فحينئذ تجهّز عليّ﵇- للقتال وكاتب الناس ليجتمعوا معه، وكذلك صنع معاوية﵁- ثم التقوا بصفّين [١] من أرض الشأم فجرت بينهم مناوشات وحروب كان أوّلها: أنّ معاوية وأصحابه﵃- سبقوا إلى شريعة [٢] الماء فملكوها. ومنعوا أصحاب أمير المؤمنين﵇- من الماء، ولم يكن هناك شريعة غيرها. فلمّا أخبر عليّ﵇- بذلك أرسل إلى معاوية﵁- يقول له: إنّ مذهبنا ألا نبدأكم بقتال حتى نحتجّ عليكم، وننظر فيما جئنا له وتنظرون. وقد منع أصحابك الناس من الماء، فابعث حتى يخلّوا سبيل الماء، وإن شئتم أن نترك ما جئنا له وتكون مقاتلتنا على الماء، فيكون الغالب هو الشارب، فعلنا ذلك. فقال معاوية﵁- لأصحابه ما تشيرون؟ قال قوم من بني أميّة: نرى أن تمنعه الماء حتى يموتوا عطشا أو يرجعوا لطلب الماء فتكون هزيمة، فقال عمرو بن العاص﵁- «أرى أن نخلّي لهم سبيل الماء، فإنّ القوم لا يعطشون وأنت ريّان» فأخر معاوية﵁- الجواب وقال: سأنظر، فاقتتل الناس على الماء، وأمدّ عليّ﵇- أصحابه وأمدّ معاوية﵁- أصحابه، ونشبت الحرب
_________________
(١) صفّين: موقع على نهر الفرات غربيّ الرقّة.
(٢) الشّريعة: مورد الماء ومستقاه.
[ ٩٥ ]
والتحم القتال، فملك أصحاب عليّ﵇- الشّريعة، فأرادوا منع أصحاب معاوية﵁- فأرسل إليهم عليّ﵇- وقال خذوا حاجتكم من الماء ولا تمنعوهم منه. ودام على ذلك مدّة حتى كاد عسكر عليّ﵇- أن يغلبوا، وظهرت أمارات الفتح، فخاف عمرو بن العاص﵁- من الهلاك، فأشار على معاوية﵁- برفع المصاحف على الرّماح، والدعاء إلى ما فيها من أمر الله ﷿. فلما رفعت المصاحف فتر أكثر الناس عن الحرب، وجاءوا إلى أمير المؤمنين﵇- وقالوا: يا عليّ أجب إلى كتاب الله﷿- فو الله إن لم تفعل لنحملنّك كارها إلى معاوية﵁- أو لنفعلنّ بك كما فعلنا بابن عفّان﵁- فقال لهم عليّ﵇- يا قوم إنّها خدعة منهم، وإنّهم ليس فيهم من يعمل بهذه المصاحف. أو لستم على بينة من ربكم، فامضوا لشأنكم وقاتلوا عدوّكم. فلم يفعلوا وغلبوه، فأجاب إلى ترك القتال، ثم أرسل إلى معاوية﵁- رسولا يقول له: ما الّذي تريد برفع هذه المصاحف؟ قال: نحكّم منّا رجلا ومنكم رجلا، ونقسم على الرجلين أن ينصحا الأمّة ويعملا بما في كتاب الله﷿- وما لم يجداه في كتاب الله حملاه على السّنّة والجماعة، فأيّ شيء حكما به قبلناه. فتراضى الناس جميعا بذلك إلا أمير المؤمنين﵇- فإنه رضي كارها مغلوبا. ونفر يسير من بطائنه كالأشتر [١] وابن عبّاس [٢]- ﵃- وغيرهما. وانعقد الإجماع على تحكيم رجلين. فأما أهل الشأم: فاتفقوا على أن يكون الحكم من جهتهم عمرو ابن العاص﵁- داهية العرب. وأمّا أهل العراق: فطلبوا أبا موسى
_________________
(١) الأشتر: هو مالك بن الحارث النّخعيّ، أمير وقائد شجاع من أنصار علي بن أبي طالب. توفي/ ٣٧/ هـ.
(٢) ابن عبّاس: هو عبد الله بن عبّاس بن عبد المطلب. ابن عم الرسول﵌-، وملازمه كان محدّثا فقيها. شهد مع عليّ موقعتي الجمل وصفّين. توفي/ ٦٨/ هـ. انظر تفصيل ترجمته في الأعلام للزركلي المجلّد الرابع ص/ ٩٥/.
[ ٩٦ ]
[١] الأشعريّ﵁- وكان شيخا مغفّلا فلم يستصلحه أمير المؤمنين﵇- للتحكيم، وقال: إن كان ولا بد من التحكيم، فدعوني أرسل عبد الله ابن عبّاس. فقالوا: لا والله هو أنت وأنت هو، قال: فالأشتر. قالوا: فهل سعّر الأرض غير الأشتر؟ قال: فقد أبيتم إلا أبا موسى. قالوا: نعم. قال: فافعلوا ما شئتم فاتّفق الناس على أبي موسى وعمرو بن العاص﵄- وتواعدوا إلى شهور، وسكنت الحرب، وانصرف الناس إلى أمصارهم، ورجع معاوية﵁- إلى الشأم وأمير المؤمنين﵇- إلى العراق ثمّ بعد شهور سار الحكمان ليجتمعا بدومة الجندل [٢] وكانت ميعاد الحكمين، وسار ناس من الصّحابة ليشهدوا ذلك المقام. وكان أمير المؤمنين ﵇- قد أرسل صحبة أصحابه عبد الله بن العبّاس﵁- فلما اجتمع الحكمان قال عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري: يا أبا موسى: ألست تعلم أنّ عثمان قتل مظلوما؟ قال: أشهد. قال: ألست تعلم أنّ معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قال: بلى. قال: فما منعك منه وبيته في قريش كما قد علمت؟ فإن خفت أن يقول الناس ليست له سابقة، فقل: وجدته وليّ عثمان الخليفة المظلوم، والطّالب بدمه، الحسن السياسة والتّدبير، وهو أخو أمّ حبيبة [٣] زوج النبيّ- صلوات الله عليه- وكاتبه وقد صحبه وعرّض عمرو لأبي موسى بولاية، ووعده عن معاوية بأشياء، فأبى موسى وقال معاذ الله أن أولّي لمعاوية وأن أقبل في حكم الله رشوة! فقال له عمرو: فما تقول في ابني عبد الله؟ وكان لعمرو ابن العاص ابن اسمه عبد الله [٤] من خيار الصحابة، ﵃، فأباه أبو موسى وقال لعمرو: إنّك
_________________
(١) أبو موسى الأشعريّ: عبد الله بن قيس القحطاني. صحابي ولاه عمر بن الخطاب على البصرة عام/ ١٧/ هـ فافتتح الأهواز وأصبهان. ولي الكوفة لعثمان ثم لعليّ واختاره أنصار عليّ حكما بينه وبين معاوية فخدعه عمرو بن العاص الممثّل لجانب معاوية. توفّي في الكوفة سنة/ ٤٤/ هـ. انظر الأعلام ج ٤ ص/ ١١٤/.
(٢) دومة الجندل: واحة مشهورة من شبه الجزيرة العربية. اجتمع فيها حكما عليّ ومعاوية ثم عقدا التحكيم في أذرح بين معّان وسلع من وادي الأردن.
(٣) أمّ حبيبة: رملة بنت أبي سفيان أخت معاوية. صحابيّة. ومن زوجات الرسول. توفيت/ ٤٤/ هـ.
(٤) عبد الله بن عمرو بن العاص: صحابي عابد ناسك كتب الحديث النبوي ورواه، توفي سنة/ ٦٥/ هـ.
[ ٩٧ ]
غمسته معك في هذه الفتنة، ولكن هل لك في إحياء اسم عمر بن الخطاب؟ وندبه إلى عبد الله بن عمر فأباه عمرو. فلما لم يتفقا قال له عمرو: يا أبا موسى فأي شيء هو رأيك؟ قال أبو موسى: رأيي أن نخلع عليّا ومعاوية﵄- من هذا الأمر ونريح الناس من هذه الفتنة، وندع أمر الناس شورى فيختار المسلمون لأمرهم من يجمعون عليه. قال عمرو﵁- نعم ما رأيت وأنا معك على ذلك. ولاح لعمرو وجه الحيلة. وكان قد عوّد أبا موسى الأشعريّ أن يتقدّمه في الكلام، يقول له: أنت صاحب رسول الله﵌- وأكبر سنّا. فتعوّد أبو موسى أن يتكلّم قبل عمرو فتقدم أبو موسى وقال: إني وعمرا قد اتفقنا على أمر نرجو فيه صلاح المسلمين. فتقدم عمرو وقال: صدق وبرّ، تقدّم يا أبا موسى: وأعلم الناس بما اتفقنا عليه فقام ابن عباس وقال لأبي موسى ويحك إني لأظنّه قد خدعك، وقد أوهمك أنه اتّفق معك على ما تريد، ثمّ قدّمك لتعترف به، فإذا اعترفت أنكره، فإنّه رجل غادر. فإن كنتما قد اتفقتما على شيء فقدّمه ليقوله قبلك: فقال أبو موسى: إنّا قد اتفقنا، ثم قال إننا قد اتّفقنا على أن نخلع عليّا ومعاوية وندع أمر المسلمين شورى، يختارون من أجمعوا عليه. وإني قد خلعت عليّا ومعاوية من الخلافة كما يخلع الخاتم من الإصبع. فتقدّم عمرو بن العاص﵁- وقال أيّها الناس قد سمعتم ما قال، وأنّه قد خلع صاحبه، وأنا أيضا قد خلعته معه وأثبتّ صاحبي معاوية، فأنكر أبو موسى وقال: إنّه غدر وكذب، وما على هذا اتّفقنا. فلم يستمع إليه، وتفرّق الناس، ومضى عمرو بن العاص وأهل الشام إلى معاوية وسلّموا عليه بالخلافة، ومضى ابن عبّاس وأصحاب عليّ﵇- إلى أمير المؤمنين وأخبروه بما جرى وأمّا أبو موسى: فإن أهل الشأم تطلّبوه فهرب إلى مكّة، وعلى ذلك انفصل أمر صفّين وكان ابتداؤه في سنة ست وثلاثين وانقضاؤها [١] في سنة سبع وثلاثين
_________________
(١) صحيحه وانقضاؤه. كذا في طبعة بيروت ص/ ٩٣/، وفي رحما ص/ ٦٨/.
[ ٩٨ ]