كان إبراهيم بن عبد الله في حال تغيّبه يحضر إلى عسكر المنصور متخفّيا وربّما جلس على السّماط، وكان المنصور شديد الطلب له. فخرج من مدينة المنصور ومضى إلى البصرة وأظهر أمره ودعا إلى نفسه، فتبعه جماعة وكثرت جموعه. فأرسل المنصور ابن أخيه عيسى بن موسى بعد رجوعه من قتل النفس الزكيّة، فتوجّه عيسى بن موسى إليه بخمسة عشر ألف مقاتل، فالتقوا بقرية يقال لها: «باخمرى» قريبة من الكوفة فكانت الغلبة لعسكر المنصور، وقتل إبراهيم في المعركة، وذلك في سنة خمس وأربعين ومائة (رحمه الله تعالى) .
وكانت أيّام المنصور ذات فتوق [١] وأحداث، فممّن خرج عليه، عمّه عبد الله بن عليّ وكان السفّاح أرسله إلى قتال مروان الحمار كما تقدّم شرحه، ثمّ مات
_________________
(١) الفتوق: هنا، المشاكل، وأحدها الفتق، وهو العصيان السياسيّ والخروج على طاعة الخليفة أو الأمير.
[ ١٦٤ ]
السفّاح وتولّى المنصور الخلافة وعبد الله بن عليّ بالشأم، فطمع في الخلافة وخطب الناس وقال إنّ السفّاح ندب بني العبّاس لقتال مروان فلم ينتدب غيري، وإنّه قال لي: إن ظهرت عليه وكانت الغلبة لك، فأنت وليّ العهد بعدي، وشهد له جماعة بذلك، فبايعه الناس. ولما اتّصل الخبر بالمنصور أقامه ذلك وأقعده، فقال له أبو مسلم الخراسانيّ: إن شئت جمعت ثيابي في منطقتي وخدمتك، وإن شئت أتيت خراسان، وأمددتك بالجنود وإن شئت سرت إلى حرب عبد الله بن عليّ، فأمره بالمسير إلى حرب عبد الله، فسار أبو مسلم بعسكر كثيف فتطاول الأمد بينهما شهورا. كانت في آخرها الغلبة لعسكر أبي مسلم، فهرب عبد الله بن عليّ إلى البصرة ونزل على أخيه سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس، فشفع سليمان فيه إلى المنصور، وطلب له الأمان فآمنه المنصور، وكتب له كتابا بليغا التزم فيه بكلّ شيء. فلما جاء إليه حبسه ومات في حبسه، فقيل: إنّه بنى له بيتا وجعل أساساته ملحا، ثمّ أجرى الماء فيه فسقط البيت عليه فمات، والمنصور هو الّذي قتل أبا مسلم الخراسانيّ.