كان هذا سنباذ رجلا مجوسيّا من بعض قرى نيسابور [١]، وكان من أصحاب أبي مسلم وصنائعه. فظهر غضبا لقتل أبي مسلم، وكثر أشياعه، وأطاعه أكثر أهل الجبال، وغلب على كثير من بلاد خراسان. فلمّا بلغ المنصور خبره أرسل إليه عشرة آلاف فارس، فالتقوا بين همذان والريّ، وكان هذا سنباذ قد أفسد في البلاد التي غلب عليها فسادا كثيرا وسبى الذّراريّ، وأظهر أنّه يريد أن يمضي إلى الحجاز ويهدم الكعبة فلما التقى هو وعسكر المنصور، كان سنباذ قد أخذ معه عدّة من النّساء المسلمات اللواتي قد سباهنّ وهنّ على جمال، فأمر سنباذ بإخراج النساء المسبيّات قدّام عسكره فخرج النّساء حواسر [٢] على الجمال، وصحن صيحة واحدة وا محمّداه! فنفرت الجمال وكرّت راجعة على عسكر سنباذ ففرّقتهم، فتبعها
_________________
(١) نيسابور: بلدة غربي خراسان وجنوبي مرو، وغربيّها مدينتا همذان والرّيّ.
(٢) حواسر: ظاهرات الوجوه بلا حجاب.
[ ١٦٨ ]
عسكر المنصور ودخلوا خلف الجمال فوضعوا فيهم السّيوف وأبادوهم قتلا. وكان عدّة القتلى نحوا من ستين ألفا. وقد دلّ الاستقراء على أنّ من اخترع دولة وأحدثها لم يستمتع بها في أغلب الأحوال. قال صلوات الله عليه: «لا تتمنّوا الدّول فتحرموها» وكأنّ المخترع للدولة يكون عنده من الدالّة [١] والتبسّط ما تأنف من احتماله نفوس الملوك. فكلما زاد تبسّطه زادت الأنفة عندهم حتّى يوقعوا به.
والمنصور خلع ابن أخيه عيسى بن موسى من ولاية العهد وجعلها في ابنه محمّد المهديّ.