هذه قضيّة لا أحبّ بسط القول فيها استعظاما لها واستفظاعا، فإنّها قضيّة لم يجر في الإسلام أعظم فحشا منها. ولعمري إنّ قتل أمير المؤمنين﵇- هو الطامّة الكبرى، ولكنّ هذه القضيّة جرى فيها من القتل الشنيع والسيء، أو
_________________
(١) الشاعر المفلق: الحاذق في نظمه وصنعته.
(٢) برقعة: جعل له برقعا. غطّاه.
(٣) المائس: الميّال الغض، وقصد به القدّ.
(٤) تعاطيني: تناولني الشراب أو الكأس.
(٥) المشعشعة: الممزوجة.
(٦) عصفرته: صبغته بلون العصفر. والعصفر: صبغ أصفر اللون ومورّد.
(٧) لم تفل: لم تأفل، لم تغب.
[ ١١٦ ]
التمثيل ما تقشعرّ له الجلود. واكتفيت أيضا عن بسط القول فيها بشهرتها، فإنّها أشهر الطامّات. فلعن الله كلّ من باشرها وأمر بها، ورضي بشيء منها ولا تقبّل الله منه صرفا ولا عدلا وجعله من الأخسرين أَعْمالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ١٨: ١٠٣- ١٠٤ [١] . وجملة ما جرى في ذلك:
أن يزيد- لعنه الله- لمّا بويع لم يكن له همّ إلا تحصيل بيعة الحسين﵁- والنّفر الّذي حذّره أبوه منهم. فأرسل إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو يومئذ أمير المدينة، يأمره بأخذ البيعة عليهم. فاستدعاهم فحضر الحسين﵇- عنده، فأخبره بموت معاوية﵁- ودعاه إلى البيعة.
فقال له الحسين﵇- «مثلي لا يبايع سرّا، ولكن إذا اجتمع الناس، نظرنا ونظرت» ثم خرج الحسين﵇- من عنده وجمع أصحابه، وخرج من المدينة قاصدا مكّة متأبيا من بيعة يزيد، آنفا من الانخراط في زمرة رعيّته. فلمّا استقرّ بمكّة اتّصل [٢] بأهل الكوفة تأبيه من بيعة يزيد وكانوا يكرهون بني أميّة، خصوصا يزيد، لقبح سيرته ومجاهرته بالمعاصي، واشتهاره بالقبائح.
فراسلوا الحسين﵇- وكتبوا إليه، يدعونه إلى قدوم الكوفة ويبذلون له النّصرة على بني أميّة. واجتمعوا وتحالفوا على ذلك، وتابعوا الكتب إليه في هذا المعنى. فأرسل إليهم ابن عمّه مسلم [٣] بن عقيل بن أبي طالب﵁- فلمّا وصل إلى الكوفة فشا الخبر إلى عبيد الله بن زياد [٤]- لعنه الله وأحلّه دار الخزي- وكان يزيد قد أمّره على الكوفة، حين بلغه مراسلة أهلها الحسين﵇- وكان مسلم قد التجأ إلى دار هانئ بن عروة [٥]- ﵁-
_________________
(١) سورة الكهف، الآية/ ١٠٤/.
(٢) اتّصل بهم تأبيه: أي بلغهم امتناعه ورفضه لبيعة يزيد بن معاوية.
(٣) مسلم بن عقيل: تابعيّ ذو رأي وشجاعة انتدبه الحسين بن علي للذهاب إلى الكوفة حين راسله أهلها بالبيعة بالخلافة. شعر به عبد الملك بن زياد أمير الكوفة الموالي ليزيد بن معاوية فطلبه حتى قتله عام/ ٦٠/ هـ.
(٤) عبيد الله بن زياد: هو ابن زياد بن أبيه الّذي نماه معاوية إلى أبي سفيان فآخاه.
(٥) هانئ بن عروة: أحد سادات الكوفة وأشرافها من خواص عليّ بن أبي طالب، خالف معاوية في بعض أمره، ولكنّه قتل على يد عبيد الله بن زياد لإيوائه مسلم بن عقيل.
[ ١١٧ ]
وكان من أشرف أهل الكوفة، فاستدعاه عبيد الله بن زياد، فطلبه منه فأبى، فضرب وجهه بالقضيب فهشّمه، ثمّ أحضر مسلم بن عقيل﵄- فضربت عنقه فوق القصر فهوى رأسه، وأتبع جثته رأسه. وأمّا هانئ: فأخرج إلى السوق فضربت عنقه. وفي ذلك يقول الفرزدق [١]:
وإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري إلى هانئ في السّوق وابن عقيل
إلى بطل قد هشّم السّيف وجهه وآخر يهوي من طمار [٢] قتيل
ثمّ إنّ الحسين﵇- خرج من مكّة متوجّها إلى الكوفة، وهو لا يعلم بحال مسلم فلمّا قرب من الكوفة علم بالحال، ولقيه ناس فأخبروه الخبر وحذّروه فلم يرجع، وصمّم على الوصول إلى الكوفة لأمر هو أعلم به من النّاس.
فأرسل ابن زياد إليه عسكرا أميره عمر بن سعد بن أبي وقّاص، فقاتل الحسين﵇- وأصحابه حين التقى الجمعان، قتالا لم يشاهد أحد مثله، حتى فني أصحابه، وبقي هو ﵇ وخاصّته، فقاتلوا أشدّ قتال رآه الناس. ثم قتل الحسين﵇- قتلة شنيعة. ولقد ظهر منه﵇- من الصّبر والاحتساب والشّجاعة والورع والخبرة التامّة بآداب الحرب والبلاغة، ومن أهله وأصحابه﵃- من النّصر له، والمواساة بالنّفس، وكراهية الحياة بعده، والمقاتلة بين يديه عن بصيرة- ما لم يشاهد مثله. ووقع النهب والسّبي في عسكره وذراريه﵇- ثم حمل النّساء ورأسه- صلوات الله عليه- إلى يزيد بن معاوية بدمشق، فجعل ينكت ثنايا [٣] الحسين﵇- بالقضيب، ثم ردّ نساءه إلى المدينة.
وكان قتل الحسين﵇- في يوم عاشوراء [٤]، من سنة إحدى وستين.
_________________
(١) ونسب البيتان إلى شاعر آخر هو عبد الله بن الزّبير الأسدي. انظر الأعلام ج ٨ ص/ ٦٨/.
(٢) طمار قتيل: علوّ قامة القتيل.
(٣) الثنايا: مقدّمة الأسنان في الفم.
(٤) عاشوراء: العاشر من المحرّم، وهو الشهر الأوّل من شهور السنة القمريّة.
[ ١١٨ ]