كان المسلمون هم الجند، وكان قتالهم لأجل الدين لا لأجل الدّنيا. وكان لا يزال فيهم دائما من يبذل شطرا صالحا من ماله في وجوه البرّ والقرب، وكانوا لا
_________________
(١) الكافور: ضرب من الطّيب لونه أبيض كالملح، وهو نفيس وغال.
(٢) الخلق: الممزّق. البالي.
(٣) يزدجرد: هو يزدجرد الثالث الساسانيّ وقد مرّ ذكره مرارا كان مصرعه اغتيالا عام/ ٣١/ هـ.
(٤) الأكاسرة: جمع كسرى وهو الملك من الفرس أو العجم.
[ ٨٧ ]
يريدون على إسلامهم ونصرهم لنبيّهم- صلوات الله عليه وسلامه- جزاء إلا من عند الله تعالى ولم يفرض النبيّ- صلوات الله عليه وسلامه- ولا أبو بكر ﵁ لهم عطاء مقرّرا ولكن كانوا إذا غزوا وغنموا أخذوا نصيبا من الغنائم قرّرته الشريعة لهم. وإذا ورد إلى المدينة مال من بعض البلاد، أحضر إلى مسجد الرسول- صلوات الله عليه وسلامه- وفرّق فيهم على حسب ما يراه (ﷺ) وجرى الأمر على ذلك مدّة خلافة أبي بكر (﵁) فلمّا كانت سنة خمس عشرة من الهجرة،- وهي خلافة عمر ﵁- رأى أن الفتوح قد توالت، وأن كنوز الأكاسرة قد ملكت، وأن الحمول من الذّهب والجواهر النفيسة، والثياب الفاخرة قد تتابعت فرأى التوسيع على المسلمين وتفريق تلك الأموال فيهم. ولم يكن يعرف كيف يصنع، وكيف يضبط ذلك. وكان بالمدينة بعض مرازبة [١] الفرس. فلما رأى حيرة عمر قال له: يا أمير المؤمنين: إن للأكاسرة شيئا يسمّونه ديوانا، جميع دخلهم وخرجهم مضبوط فيه لا يشذّ منه شيء. وأهل العطاء مرتبّون فيه مراتب لا يتطرق عليها خلل. فتنبّه عمر﵁- وقال: صفه لي فوصفه المرزبان، ففطن عمر لذلك ودوّن الدواوين وفرض العطاء فجعل لكلّ واحد من المسلمين نوعا مقرّرا، وفرضوا لزوجات الرسول- صلوات الله عليه وسلامه- ولسراريه وأقاربه حتّى استنفد الحاصل ولم يدّخر في بيت المال شيئا. قالوا، فقام إليه رجل وقال: يا أمير المؤمنين: لو تركت في بيوت الأموال شيئا يكون عدّة لحادث إن حدث: فزجره عمر وقال:
كلمة ألقاها الشيطان على فيك وقاني الله شرّها، وهي فتنة لمن بعدي. إني لا أعدّ للحادث الّذي يحدث سوى طاعة الله ورسوله، فهي عدّتنا التي بها [٢] بلغنا ما بلغناه ثمّ إنّ عمر رأى أن يجعل العطاء على حسب السّبق إلى الإسلام، وإلى نصرة الرسول﵊- في مواطن حروبه. ثمّ استخدم الكتّاب في
_________________
(١) المرازبة: جمع مرزبان: قائد جيش باللغة الفارسيّة أو هو الرجل الخطير الشأن.
(٢) كذا في طبعة بيروت ص/ ٨٤/، وفي رحما ص/ ٦٠/، وفي ألما ص/ ١٠٢/.
[ ٨٨ ]
الدواوين وأمرهم بترتيب الطّبقات وضبط العطاء. فقالوا: بمن نبدأ يا أمير المؤمنين؟ فأشار ناس من الصّحابة عليه بأن يبدأ بنفسه، وقالوا: أنت أمير المؤمنين، وتقديمك واجب. فكره عمر ذلك وقال: ابدءوا بالعبّاس عمّ رسول الله- صلوات الله عليه- وببني هاشم، ثمّ بمن بعدهم طبقة طبقة وضعوا آل الخطّاب حيث وضعهم الله ﷿. فاعتمد ما أشار به، وجرى الأمر على ذلك مدّة خلافته وخلافة عثمان، ﵄. ثم في آخر خلافته خطر له تغيير هذا الرأي، وأن يفرض لكل واحد من المسلمين أربعة آلاف وقال ألف يجعلها لعياله إذا خرج إلى الحرب، وألف يتجهّز بها، وألف يصحبها معه، وألف يرتفق [١] بها.
فمات عمر﵁- قبل إتمام هذا الرأي ومن وقائعها المشهورة وقعة الجمل.