إنّ الله تعالى بسابق علمه وبالغ حكمته وعزّة قدرته، إذا أراد أمرا هيّأ أسبابه وقد وصف نفسه ﷿ بقوله قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ من تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ من تَشاءُ وَتُذِلُّ من تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٣: ٢٦ [١] ولما أراد- جلّ شأنه، وعزّ سلطانه- نقل الملك عن فارس إلى العرب أصدر من المنذرات بذلك ما ملأ به قلوبهم وقلوب أوليائهم رعبا. فأوّل ذلك: ارتجاس [٢] الإيوان [٣] وسقوط الشرفات منه، وذلك عند ميلاد الرسول- عليه أفضل الصلوات- وخمود نار فارس ولم تكن خمدت قبل ذلك بألف عام، وذلك في عهد أنوشروان العادل. فلما رأى أنوشروان سقوط الشّرفات وانشقاق الإيوان غمّه ذلك ولبس تاجه وجلس على سريره، وأحضر وزراءه وشاورهم في
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية/ ٢٦/.
(٢) ارتجاس: اهتزاز.
(٣) الإيوان: قصر كسرى أنوشروان ملك الفرس.
[ ٨١ ]
ذلك. ففي تلك الحال وصل كتاب من فارس بخمود النار، فازداد كسرى غمّا إلى غمّه وفي تلك الحال قام الموبذان [١] وقص الرؤيا التي رآها، قال: رأيت- أصلح الله الملك- كأنّ إبلا ضعافا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها فقال له كسرى: فأيّ شيء يكون تأويل هذا؟ قال أصلح الله الملك، حادث يحدث من جهة العرب وفشا الحديث بذلك بين العجم وتحدّث به الناس فسكن الرّعب قلوبهم وثبتت هيبة العرب في نفوسهم. ثم تتابعت أمثال هذه المنذرات الخواذل إلى آخر الأمر: فإنّ رستم لما خرج لمحاربة سعد بن أبي وقّاص رأى في منامه كان ملكا قد نزل من السماء، وجمع قسيّ الفرس وختم عليها وصعد بها إلى السماء، ثم انضمّ إلى ذلك ما كانوا يشاهدونه من سداد منطق العرب، وطمأنينة نفوسهم، وشدّة صبرهم على الشدائد ثم ما جرى في آخر الأمر من اختلاف كلمتهم بعد موت شهريار وجلوس يزدجرد على سرير المملكة وهو صبيّ حدث ضعيف الرأي. ثم الطّامّة الكبرى وهي انعكاس الريح عليهم في حرب القادسيّة، حتى أعمتهم بالغبار وعمّتهم بالدمار، وفيها قتل رستم [٢] وانفلّ جيشهم. فانظر إلى هذه الخواذل، واعلم أن للَّه أمرا هو بالغه.