كان الرشيد قد حجّ، فلمّا عاد من الحجّ سار من الحيرة إلى الأنبار في السّفن وركب جعفر بن يحيى إلى الصّيد، وجعل يشرب تارة ويلهو أخرى وتحف الرشيد وهداياه تأتيه، وعنده بختيشوع الطبيب، وأبو زكّار الأعمى يغنّيه، فلمّا أظلّ المساء دعا الرشيد مسرورا الخادم- وكان مبغضا لجعفر- وقال: اذهب فجئني برأس جعفر ولا تراجعني، فوافاه مسرور بغير إذن وهجم عليه وأبو زكّار يغنّيه:
فلا تبعد فكلّ فتى سيأتي عليه الموت يطرق أو يغادي
(وافر) فلما دخل مسرور قال له جعفر بن يحيى: لقد سررتني بمجيئك، وسؤتني بدخولك عليّ بغير إذن! فقال: الّذي جئت له أعظم! أجب أمير المؤمنين إلى ما يريد بك، فوقع على رجليه فقبّلهما، وقال له: عاود أمير المؤمنين فإنّ الشراب قد حمله على ذلك، وقال: دعني أدخل داري فأوصي، فقال الدّخول لا سبيل إليه
_________________
(١) احتجانهم للأموال: إحرازهم لها من دون غيرهم، احتكارهم للثروة.
[ ٢٠٨ ]
وأما الوصيّة: فأوص بما بدا لك. فأوصى، ثمّ حمله إلى منزل الرّشيد وعدل به إلى قبّة وضرب عنقه وأتى برأسه على ترس إلى الرشيد وببدنه في نطع، ووجّه الرشيد فقبض على أبيه وإخوته وأهله وأصحابه، وحبسهم بالرقة واستأصل شأفتهم ومن طريف ما وقع في ذلك، ما رواه العمرانيّ المؤرّخ قال: حدّث فلان قال: دخلت الديوان فنظرت في بعض تذاكر النّواب، فرأيت فيها أربعمائة ألف دينار ثم خلعة لجعفر بن يحيى الوزير، ثمّ دخلت بعد أيّام فرأيت تحت ذلك عشرة قراريط ثمن نفط وبواري لإحراق جثّة جعفر بن يحيى فعجبت من ذلك.
ثم استوزر الرّشيد بعد البرامكة الفضل بن الرّبيع وكان حاجبه.