(قال ابن طباطبا): وسببه أنّ ناسا من المسلمين نقموا عليه تجاوزه لطريقة صاحبيه أبي بكر وعمر﵄- من التقلّل والكفّ عن اموال المسلمين وكان هو قد فرّق جملة منها على أقاربه ووسّع على عياله وأهله. فمن جملة ما فعل: أنّه أعطى عبد الله بن خالد [٢] بن أسيد خمسين ألف درهم، وأعطى
_________________
(١) شدخ الرأس: كسره.
(٢) عبد الله بن خالد: من أبناء التابعين من الأنصار، قبيلته الأوس، وجدّه أسيد ممّن شهدوا بيعة العقبة الثانية مع سبعين من الأنصار.
[ ١٠٢ ]
مروان بن الحكم [١] خمسة عشر ألفا، ولم يكن المسلمون اعتادوا مثل هذا التبذير، وعهدهم قريب بضبط أبي بكر وعمر﵄- فنفروا من ذلك، وجرت بينهم وبينه معاتبات ومقاولات. فاعتذر إليهم بأن أبا بكر وعمر﵄- منعا أنفسهما وأهلهما احتسابا للَّه، وتركا حقّ نفوسهما، وأنا صاحب عيال مددت يدي فوسّعت عليّ وعلى أهلي بشيء من هذا المال، فإن سخطتم هذا فأمري لأمركم تبع. فقالوا أحسنت وأنصفت إذ أعطيت عبد الله بن خالد خمسين ألفا، ومروان خمسة عشر ألفا؟ قال: فإنّي أستعيد ذلك منهما. واستعاد ما أعطاهما. وكان إذا عاتبوه على صادرات أموره التي يحمله عليها ويحسّنها له مروان بن الحكم، يعتذر مرّة، ويلتزم لهم ما يشيرون به عليه، ويحتجّ مرّة. وفشا الأمر فاجتمع ناس من أهل الأمصار على حربه فجاء أهل مصر وناس من كلّ صقع وعزموا على قتله. فخرج ليلا وجاء إلى أمير المؤمنين﵇- وقال له: يا ابن عمّ لي عليك حقّ وقد قصدتك، ولك عند هؤلاء القوم منزلة وهم يقبلون قولك، وقد ترى جرأتهم عليّ، فاخرج إليهم وردّهم عنّي، فركب عليّ﵇- وردّ الناس عنه وضمن لهم حسن السيرة فرجعوا ثم أعضل [٢] الخطب وزيّن له مروان بن الحكم أمورا نقمها الناس، فاجتمعوا عليه من كلّ صوب وأحاطوا به وحصروه في داره، فأرسل إلى عليّ﵇- يستنصره فأرسل إليه ابنه الحسن﵇- فقاتل عنه قتالا شديدا، حتى كان يستكفّه [٣] وهو يقاتل عنه ويبذل نفسه دونه. وتكاثر الناس عليه فدخلوا عليه الدّار وخبطوه بالسّيوف، وهو صائم والمصحف في حجره، وهو يقرأ فيه فوقع المصحف
_________________
(١) مروان بن الحكم: هو ابن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس. كان من المقرّبين إلى عثمان ابن عفّان واتّخذه كاتبا له. فلمّا قتل عثمان كان مروان من المطالبين بدمه في موقعة الجمل. ولكنه اضطر إلى مبايعة عليّ والإقامة بالمدينة مكرها حتى ولي الخلافة الأموية بعد معاوية بن يزيد. توفي عام/ ٦٥/ هـ وخلفه ولده عبد الملك. انظر الأعلام ص/ ٢٠٧/.
(٢) أعضل الخطب: اشتدّ الخطر وأشكل الحلّ.
(٣) يستكفّه: يقول له اكفف أو مهلا. كناية عن شدّة استبسال الحسن
[ ١٠٣ ]
بين يديه وسال الدّم عليه فقامت زوجته «نائلة» [١] لتتلقى عنه الضّرب بيدها، فأصاب السّيف أصابعها فأبانها- وهي الأصابع التي كان يعلقها معاوية ﵁ على منبر الشام مع قميص عثمان ليرقّق الناس- فولّت المرأة دهشة. ثمّ قتل عثمان ﵁ واحتزّوا رأسه، فوقع نساؤه عليه وصحن وبكين. فقال بعضهم: دعوه فتركوه. ثم داس رجل من أهل الكوفة يقال له عمير [٢] بن ضابىء البرجميّ أضلاعه فكسرها ثم نهبت داره حتى أخذ ما على النّساء. ثمّ حمل في تابوت بعد أيّام ليدفن، فقعد جماعة على الطّريق يريدون رجمه. فأرسل أمير المؤمنين عليّ﵇- إليهم فردّهم عن ذلك، ودفن قريبا من البقيع. ثمّ بعد ذلك اشترى معاوية﵁- ما حول قبره ومزجه بمقابر المسلمين وأباح للناس الدفن حوله وكان ذلك سنة خمس وثلاثين من الهجرة، وسمّي يوم قتله يوم الدار. لأنّهم هجموا عليه في داره وقتلوه بها.