قال الله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ٣: ١٤٠ [١] .
وعزّى بعض الحكماء بعض الملوك عن مملكة خرجت عنه فقال: لو بقيت لغيرك لما وصلت إليك.
واعلم- علمت الخير- أنّ هذه دولة من كبار الدّول، ساست العالم سياسة ممزوجة بالدّين والملك، فكان أخيار الناس وصلحاؤهم يطيعونها تدينا، والباقون يطيعونها رهبة أو رغبة، ثمّ مكثت فيها الخلافة والملك حدود ستمائة سنة، ثم
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية/ ١٤٠/.
[ ١٣٧ ]
طرأت عليها دول كدولة بني بويه [١]، وكانت عظمتها كما علمت، وفيها كبشهم وفحلهم عضد الدولة فناخسرو وكدولة بني سلجوق [٢] وفيها مثل طغرلبك. وكالدّولة الخوارزمشاهية [٣] وفيها مثل علاء الدين، وجريدة عسكره مشتملة على أربعمائة ألف مقاتل. وكدولة الفاطميّين بمصر، وقد وجّهوا عسكرا صحبة عبد من عبيدهم اسمه جوهر [٤] لم ير عسكر أكثف منه، حتّى قال فيه شاعرهم وهو محمّد بن هانئ [٥] المغربيّ:
فلا عسكر من قبل عسكر جوهر تخبّ المطايا فيه عشرا وتوضع
(طويل) وكخوارج خرجوا في أثنائها بجموع كثيرة، وحشود عظيمة. كلّ ذلك ولم يزل مملكهم، ولم تقو دولة على إزالة ملكهم ومحو أثرهم، بل كان الملك من هؤلاء المذكورين يجمع ويحتشد ويجرّ العساكر العظيمة، حتى يصل إلى بغداد، فإذا وصل التمس الحضور بين يدي الخليفة، فإذا حضر قبّل الأرض بين يديه، وكان قصارى ما يتمنّاه أن يوليه الخليفة ويعقد له لواء ويخلع عليه. فإذا فعل
_________________
(١) بنو بويه: أسرة فارسية حكمت في أصفهان وشيراز وكرمان وبغداد. أسّسها أبو شجاع بويه وأولاده الثلاثة عماد الدولة وركن الدولة ومعزّ الدولة الّذي دخل بغداد في عهد الخليفة المستكفي وخلعه سنة/ ٣٣٤/ هـ. قضى على دولتهم طغرلبك السلجوقي عام/ ٤٤٧/ هـ.
(٢) دولة بني سلجوق: هي الدولة التي قضت على البويهيين وخلفتهم في التنفّذ في بغداد/ ٤٤٧- ٦٥٦/ هـ حين قضى عليها جنكيزخان وخلفاؤه ومنهم هوركو. تفرعت أسرة السلاجقة ما بين سورة والعراق ورومية وخلفها الأتابكة.
(٣) الخوارزمشاهيّة: دولة تنفذت على بخارى وسمرقند إلى أن غزاها جنكيزخان وتيمور لنك، وتقع أراضيها اليوم في أوزبكستان من دويلات الاتحاد السوفياتي السابق. كان استمرارها/ ١٠٩٧- ١٢٣١/ م.
(٤) جوهر: هو المعروف بجوهر الصقليّ فتح مصر للمعزّ الفاطمي، وأنشأ مدينة القاهرة وبنى الأزهر عام/ ٣٥٩/ هـ توفي عام/ ٣٨١/ هـ.
(٥) محمّد بن هانئ المغربيّ: أصله من الأندلس ولد بإشبيليّة. لقب بمتنبي المغرب، مدح المعزّ الفاطمي، ومات مقتولا في برقة عام/ ٣٦٢/ هـ.
[ ١٣٨ ]
الخليفة ذلك قبل الملك الأرض بين يديه، ومشى في ركابه راجلا، والغاشية [١] تحت إبطه، كما فعل مسعود السّلطان مع المسترشد فإنّ المسترشد وقعت بينه وبين مسعود منابذة أدّت إلى محاربة، فخرج المسترشد بعسكر كثيف وصحبته جميع أرباب الدّولة، فالتقى هو والسلطان مسعود [٢] بظاهر مراغة فاقتتلوا ساعة، ثمّ انكشف الغبار وقد انهزم أصحاب المسترشد، واستولى عسكر مسعود، فانجلى الغبار والخليفة ثابت على ظهر فرسه، وفي يده المصحف وحواليه القرّاء والقضاة والوزراء لم ينهزم أحد منهم، وإنّما انهزم المقاتلون. فلما نظر السّلطان مسعود إليهم، أرسل من قاد دابّة الخليفة وأدخله إلى خيمة قد نصبت له وأخذ أرباب دولته فحبسهم في قلعة قريبة من تلك النواحي، ثم غنموا جميع ما كان في عسكر الخليفة. وبعد أيّام اجتمع السلطان بالخليفة وعاتبه على فعله، ثم تقرّر بينهم أمر الصلح فاصطلحا، وركب الخليفة إلى مخيم عظيم ضربه لأجله السّلطان. فلما ركب الخليفة أخذ السّلطان مسعود الغاشية ومشى في ركابه، ثم جرى من قتل المسترشد ما نذكره بعد هذا.
فهذه الدول جميعها طرأت على دولة بني العبّاس، ولم تقو نفس أحد على إزالة ملكهم ومحو آثارهم. وكانت لهم في نفوس الناس منزلة لا تدانيها منزلة أحد آخر من العالم، حتى إنّ السلطان «هولاكو» لما فتح بغداد، وأراد قتل الخليفة أبي أحمد عبد الله المستعصم- ألقوا إلى سمعه أنه متى قتل الخليفة اختلّ نظام العالم واحتجبت الشّمس وامتنع القطر والنبات. فاستشعر لذلك، ثمّ سأل بعض العلماء في حقيقة الحال عن ذلك فذكر ذلك العالم له الحقّ في هذا، وقال: إنّ عليّ ابن أبي طالب كان خيرا من هذا الخليفة بإجماع العالم، ثم قتل ولم تجر هذه المحذورات، وكذلك الحسين. وكذلك أجداد هذا الخليفة، قتلوا وجرى عليهم كلّ مكروه، وما احتجبت الشمس ولا امتنع القطر فحين سمع زال ما كان قد حصل في
_________________
(١) الغاشية: الزوّار والحاشية.
(٢) مسعود: هو مسعود بن محمد السلجوقي خلع الخليفة العباسي المسترشد/ ٥٢٩/ هـ وعبث بالحكم في بغداد حتى تولى المقتفي/ ٥٣٠/ هـ.
[ ١٣٩ ]
خاطره، واعتذر ذلك العالم عن هذا القول بأن هيبة السّلطان كانت عظيمة وسطوته مرهوبة، فما تجاسرت أن أقول بين يديه غير الحقّ. فهذا كان اعتقاد النّاس في بني العبّاس. وما قويت دولة من الدول على إزالة مملكتهم ومحو أثرهم سوى هذه الدولة القاهرة. نشر الله إحسانها وأعلى شأنها.
فإن السلطان هولاكو لما فتح بغداد وقتل الخليفة، محا أثر بني العبّاس كلّ المحو، وغيّر جميع قواعدهم. حتّى إن الّذي كان يتلفّظ باسم بني العبّاس كان على خطر من ذلك.