هو من الموالي. قال الصّولي [١]: كان داود أبوه وإخوته كتّابا لنصر بن سيّار أمير خراسان. كان يعقوب بن داود يتشيّع، وكان في ابتداء أمره مائلا إلى بني عبد الله بن الحسن، وجرت له خطوب في ذلك. ثمّ إنّ المهديّ خاف من بني الحسن أن يحدثوا أمرا لا يتدارك، فطلب رجلا ممّن له أنس ببني الحسن ليستعين به على أمرهم، فدلّه الربيع على يعقوب بن داود لصداقة كانت بين الربيع وبينه، وليتّفقا على إزالة دولة أبي عبيد الله معاوية الوزير. فاستحضره المهديّ وخاطبه، فرأى أكمل الناس عقلا وأفضلهم سيرة فشغف به واستخلصه لنفسه. ثم استوزره وفوّض الأمور إليه.
وقيل إنّ السبب في وزارته غير هذا. وهو أنّ يعقوب بن داود قرّر للربيع مائة ألف دينار إن حصلت له الوزارة، فجعل الربيع يثني عليه في الخلوات عند المهديّ فطلب المهديّ أن يراه. فلمّا حضر بين يديه رأى أكمل الناس خلقا وفضلا ثم قال له: يا أمير المؤمنين، ها هنا أمور لا تنتهي إلى علمك، فإن ولّيتني عرضها عليك بذلت جهدي في نصيحتك فقرّبه وأدناه فصار يعرض عليه من المصالح والمهمّات والنصائح الجليلة ما لم يكن يعرض عليه من قبل فاستخصّه وكتب كتابا بأنه أخوه في الله تعالى، واستوزره وفوض إليه الأمور كلّها وسلّم إليه الدواوين، وقدّمه على جميع الناس حتّى قال بشّار [٢] يهجوه:
بني أميّة هبّوا طال نومكم إنّ الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا خلافة الله بين الناي والعود
_________________
(١) الصّوليّ: صاحب «الأوراق» في التأريخ للعباسيين، وقد سبقت ترجمته.
(٢) بشّار: هو بشار بن برد، أبو معاذ، شاعر فارسي الأصل. كان كفيف البصر غزلا وهجّاء وشى به الوزير يعقوب بن داود إلى المهديّ، فقتله بتهمة الزندقة ضربا بالسياط. عام/ ١٦٨/ هـ.
(٣) وفي معظم الروايات: «خليفة الله بين الزقّ والعود» . الزقّ: وعاء الخمر.
[ ١٨٢ ]
وذلك لأنّ المهديّ اشتغل باللهو واللعب وسماع الأغاني، وفوّض الأمور إلى يعقوب بن داود. وكان أصحاب المهديّ يشربون عنده النبيذ، وقيل: ما كان هو يشرب معه، فنهاه يعقوب بن داود عن ذلك ووعظه. وقال أبعد الصّلوات في المسجد تفعل هذا؟ فلم يلتفت إليه. وفي ذلك يقول الشاعر للمهديّ:
فدع عنك يعقوب بن داود جانبا وأقبل على صهباء [١] طيبة النّشر [٢]
(طويل) ثمّ إن السّعاة ما زالوا يسعون بيعقوب بن داود إلى المهديّ حتى نكبه، وجعله في «المطبق» وهو حبس التّخليد [٣] . فلم يزل على ذلك مدّة أيّام المهديّ حتّى أخرجه الرّشيد.