واعلم أنّ الدولة العباسية كانت دولة ذات خدع ودهاء وغدر، وكان قسم التحيّل والمخادعة فيها أوفر من قسم القوة والشدّة، خصوصا في أواخرها. فإنّ المتأخّرين منهم بطلوا قوّة الشدّة والنّجدة، وركنوا إلى الحيل والخدع وفي مثل ذلك يقول كشاجم [٥] مشيرا إلى موادعة أصحاب السّيوف، وعداوة أصحاب الأقلام ومقاتلة بعضهم لبعض:
_________________
(١) جفن السيف: قرابه أو غمده. وكسر الجفن كناية عن الاستمرار في القتال والمناجزة.
(٢) أظهرني: نصرني.
(٣) تمثّل: قال شعرا في المناسبة.
(٤) معنى البيت: إنّ أعدائي من بني أميّة لم يكن ليشفيهم من حقدهم عليّ شاف حتى لو شربوا دمي، كما أنّني لا أشتفي بدمائهم، لشدّة غيظي منهم، وحقدي عليهم.
(٥) كشاجم: أبو الفتح محمود بن الحسين، كاتب وشاعر وأديب مبدع ومتفنن فارسيّ الأصل ولد في العراق وأقام في حلب ومدح الحمدانيين. توفي/ ٣٥٠/ هـ.
[ ١٤٦ ]
هنيئا لأصحاب السّيوف بطالة تقضى بها أوقاتهم في التنعم
فكم فيهم من وادع العيش لم يهج لحرب ولم ينهد لقرن [١] مصمّم
يروح ويغدو عاقدا في نجاده حساما سليم الحدّ لم يتثلم
ولكن ذوو الأقلام في كلّ ساعة سيوفهم ليست تجفّ من الدم
(طويل) وفيها يقول بعض الشعراء، حين قتل المتوكل وزيره محمد بن عبد الملك الزيات:
يكاد القلب من جزع يطير إذا ما قيل: قد قتل الوزير
أمير المؤمنين قتلت شخصا عليه رحاكم كانت تدور [٢]
فمهلا يا بني العبّاس مهلا لقد كويت بغدركم الصّدور
(وافر) إلا أنّها كانت دولة كثيرة المحاسن جمّة والمكارم. أسواق العلوم فيها قائمة وبضائع الآداب فيها نافقة، وشعائر الدين فيها معظّمة، والخيرات فيها دارّة [٣]، والدّنيا عامرة، والحرمات مرعيّة، والثغور محصّنة، وما زالت على ذلك حتى كانت أواخرها فانتشر الجبر [٤] واضطرب الأمر، وانتقلت الدولة. وسيرد ذلك في موضعه مشروحا إن شاء الله تعالى. وهذا أوان الشروع في ذكر خليفة خليفة.