والذي يتعين على الآمر الناهي- حينئذ- أن يعرض عن ملاحظة الناس له في المدح والذم، وعن رضاهم عنه، ويؤثر رضي الله- سبحانه- على رضاهم مع أن العبد إذا آثر رضي سيده الله كفاه مؤنة غضب الخلق، بل يرضيهم عنه. وإذا آثر رضاهم لم يكفوه لم يكفوه"مؤنة غضب الله عليهم. بل إذا غضب الله على عبد أغضب عليه عباده.
وفي جامع الترمذي وغيره من حديث عبد الوهاب بن الورد، عن رجل من أهل
[ ٣٠٧ ]
المدينة قال: كتب معاوية إلى عائشة﵂- أن اكتبي كتابًا توصيني فيه ولا تكثري علي. فكتبت إليه سلام عليك. أما بعد. فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول) من التمس رضا الله بسخط الناس، كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، وكله الله إلى الناس) والسلام عليك.
وفي رواية عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها كتبت إلى معاوية، فذكر الحديث بمعناه ولم يرفعه.
قال بعض السلف: لمصانعة وجه واحد أيسر عليك من مصانعة وجوه كثيرة، إنك إذا صانعت ذلك الوجه الواحد كفاك الوجوه كلها مع أنك لا تقدر على مصانعة أكثرهم.
كما قال الشافعي﵀-: رضا الناس غاية لا تدرك فعليك ما فيه صلاح نفسك فالزمه.
قال العلامة ابن القيم: ومعلوم أنه لا صلاح للنفس إلا بإيثار رضا بأرئها ومولاها على غيره.
وقد أحسن أبو فراس في قوله الأبيات المشهورة:
فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب
وروى البيهقي- بسنده- عن يونس بن عبد الأعلى قال: قال الشافعي﵀- يا أبا موسى لو جهدت كل الجهد على أن ترضي الناس كلهم فلا سبيل إليه، فإذا كان كذلك فأخلص عملك ونيتك لله﷿ - انتهى.
فكلما رضي به فريق من الناس يسخط به فريق، ورضي بعضهم في سخط بعض.
وأما ذمهم فلا يزيد العبد شيئًا ما لم يكتبه الله ﷿- عليه ولا يعجل أجله محبوبًا عنده ولا يؤخر رزقه ولا يجعله من أهل النار إن كان من أهل الجنة. ولا يبغضه إلى الله إن كان محبوبًا عنده، بل في مرقية ذمهم موصلة الهموم ومرادفة العموم.
[ ٣٠٨ ]
كما قيل: من راقب الناس مات غمًا، وفاز بالراحة الجسور.
فالعباد كلهم عاجزون كعجزء لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورا. والله سبحانه هو المتفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع ولا يصيب العبد من ذلك ألا ما سبق تقديره وقضاؤه له. والخلق كلهم عاجزون عن إيصال نفع أو ضر غير مقدر في الكتاب السابق وتحقيق هذا يقتضي انقطاع العبد عن التعلق بالخلق وعن رجاء نفعهم وخوف ضرهم.
ومن المعلوم أن المؤثر لرضا الله متصد لمعاداة الخلق وأذاهم، وسعيهم في إتلافه، ولا بد هذه سنة الله في خلقه وألا فما ذنب الرسل من الأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس والقائمين بدين الله، الذايين عن كتابه وسنة رسوله عندهم فمن آثر رضا الله فلا بد أن يعاديه رذّالة العالم وسقطهم وجهالهم وأهل البدع والفجور منهم، وأهل الرياسات الباطلة وكل من يخالف هديه هديه. وما يقوم على معاداة هؤلاء إلا طلب الرجوع إلى الله على سماع خطاب: ﴿يأيتها النفس المطمّنة أرجعي إلى ربك راضية مرضيّة﴾. ومن إسلامه صلب كامل لا تزعزعه الرجال ولا تقلقه الجبال
كما قال أبو الوفا ابن عقيل- في الفنون من صدر اعتقاده عن برهان لم يبق عنده تلون يراعي به أحوال الرجال: ﴿أفائن مّات أو قتّل انقلبتم علّى أعقبكم﴾.
وكان الصديق﵁- من ثبت على اختلاف الأحوال، فلم يتقلب به في كل مقام زلت به الأقدام. إلى أن قال: وقد يكون الإنسان مسلمًا إلى أن يضيق به عيش وأنما ديننا مبني على تعب مع صلاح الآخرة. فمن طلب به العاجل أخطأ. انتهى.
فينبغي للعبد- حينئذ- أن لا يتغير بكثرة التاركين لما أمرنا به أو الفاعلين لما نهينا عنه.
وقد قال السيد الجليل الفضيل بن عياض- قدس الله روحه- لا تستوحش طرق الهدى لقلة أهلها. ولا تغيتر بكثرة السالكين والذين يتعين على العارف مخالفتهم في ذلك قولآ وفعلًا ولا يثبطه عنه وحدته وقلة الرفيق.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا تعز فيه وليك، وتذل فيه عدوك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهي عن المنكر، وسر بنا في سرب النجاة، ووفقنا لامتثال الأمر والإنابة وأفتح لأدعيتنا أبواب الإجابة وإلهمنا ما ألهمت الصالحين، وأيقظنا من رقدة الغافلين، إنك ولي من تولاك، ومجيب من دعاك.
[ ٣٠٩ ]