إنكار الولد على الوالد بالمرتبة الأولى وهر التعريف ثم بالثانية وهي الوعظ والنصح بالكلام اللطيف كالإنكار على السلطان ونحوه.
وقد روى ابن أبي الدنيا - بسنده - عن أبي روح سلام بن سكين الأزدي قال: سألت الحسن البصري - رحمة الله عليه - فقلت يا أبا سعيد، الرجل يأمر والديه بالمعروف وينهاهما عن المنكر؟ قال: يأمرهما إن قبلا فإن كرها سكت عنهما.
وهل له الإنكار عليه بالمرتبة الثالثة وهي السب العنيف كقوله؟ ألا تخاف الله ألا تستحي من الله؟ أو بالمرتبة الرابعة وهي المنع بالقهر بطريق المباشرة ..؟ بحيث يؤدي إلى
[ ٢٠٩ ]
أذاه وسخطه، وهو بأن يكسر مثلًا (عوده) ويريق خمره، ويحل الخيوط من ثيابه المنسوجة بالحرير، ويرد إلى الملاك ما يجده في بيته من المال الحرام، الذي غصبه أو سرقه أو أخذه عن إدرار رزق من ضريبة المسلمين، إذا كان صاحبه متعينًا، ويحك الصور المنقوشة على حيطانه والمنقورة، في خشب بيته، ويكسر أواني الذهب والفضة، فإن فعله في هذه الأمور ليس يتعلق بذات الأب بخلاف الضرب والسب، ولكن الوالد يتأذى به ويسخط بسببه إلاّ إن فعل الولد حق، وسخط الأب منشؤه حبه للباطل وللحرام.
قال أبو حامد﵀ -: والأظهر في القياس أنه يثبت للولد ذلك بل يلزمه أن يفعل ذلك، ولا يبعد أن ينظر فيه إلى قبح المنكر، ولى مقدار الأذى والسخط فإن كان المنكر فاحشًا وسخطه عليه قريبًا كإراقة الخمر ونحوه، ولا يشتد غضبه فذلك ظاهر، ون كان المنكر قريبًا، والسخط شديدًا كما لو كانت له آنية من بلور أو زجاج على صورة حيوان، وفي كسرها خسران مال كثير فهذا مما يشتد فيه الغضب، وليس تجري هذه المعصية مجرى الخمر وغيره، فهذا كله مجال النظر.
ثم قال: فإن قيل: من أين قلتم ليس له الحسبة - يعني الإنكار على أبيه - بالتعنيف والضرب والإرهاق إلى ترك الباطل، والأمر بالمعروف في الكتاب والسنة ورد عامًا من غير تخصيص، وأما النهي عن التأفيف والأذى فقد ورد وهو خاص فيما لا يتعلق بارتكاب المنكرات؟
فنقول: قد ورد في حق الأب على الخصوص ما يوجب الإستثناء من العموم، إذ لا خلاف أن الجلاد ليس له أن يقتل أباه (في الزنا)، ولا أن يباشر إقامة الحد عليه بل لا يباشر قتل أبيه الكافر، بل لو قطع يده لم يلزمه قصاص، ولم يكن له أن يؤذيه في مقابلته وقد ورد في ذلك أخبار. ومن أمثلتها ما روى الترمذي، وابن ماجه وغيرهما من حديث عمر موقوفًا: "لا يقاد الوالد بالولد" فإذا لم يجز له إيذاؤه بعقوبة هي حق على جناية سابقة، فلا يجوز له إيذاؤه بعقوبة هي منع عن جناية مستقبله متوقعة، بالأولى. انتهى.
وأما الإنكار على الزوج والسيد؟ فقال أبو حامد: ينبغي أن يجري (أي هذا الترتيب) في العبد والزوجة مع السيد والزوج، فهما قريبان من الوالد في لزوم الحق ون كان ملك اليمين آكد من ملك النكاح. ولكن روى الترمذي - في جامعه - من حديث أبي هريرة -
[ ٢١٠ ]
مرفوعًا - "لو كنت آمرًا أحدًا يسجد لأحد، لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها".
وروى نحوه الإمام أحمد من حديث معاذ بن جبل مرفوعًا.
وروى نحوه أبو داود من حديث قيس بن سعد بن عبادة مرفوعًا.
وروى أحمد - أيضًا- وابن ماجه بنحوه من حديث عبد الله بن أبي أوفى مرفوعًا.
وهذا يدل على تأكيد الحق - أيضًا-
وأما إنكار التلميذ على الأستاذ فالأمر فيما بينهما أخف من الزوج والسيد، لأن المحترم هو الأستاذ المفيد للعلم من حيث الدين، ولا حرمة لعالم لا يعمل بعلمه، فله أن يعامله بموجب علمه الذي تعلمه منه، قاله الغوالي. وقال أبو زكريا النواوي - في أذكاره باب ما يقوله التابع للمتبوع إذا فعل شيئًا مخالفًا للصواب أو نحوه -: اعلم أنه يستحب للتابع إذا رأى من شيخه وغيره ممن يقتدي به شيئًا في ظاهره مخالفًا للمعروف أن يسأله عنه بنية الإسترشاد، فإن كان قد فعله ناسيًا تداركه، وإن كان فعله عامدًا وهو صحيح في نفس الأمر، بينه له.
ففي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد - ﵁ - قال: (دفع رسول الله ﷺ- من عرفة حتى إذا كان (بالشعب) نزل فبال. ثم توضأ (ولم يسبغ الوضوء) فقلت: الصلاة يا رسول الله. فقال (الصلاة أمامك).
قال النووي: إنما قال ذلك لأسامة، لأنه ظن أن النبي - ﷺ- نسى صلاة المغرب وكان قد دخل وقتها وقرب خروجه.
وفي صحيح مسلم، عن (سليمان بن) بريدة، أن النبي - ﷺ- صلى الصلوات الخمس
[ ٢١١ ]
يوم الفتح بوضوء واحد (ومسح على خفيه) فقال له عمر: صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه.
قال: (عمدًا صنعته يا عمرا)
ونظائر هذا كثير في السنة. وقد بوب النواوي - أيضًا - على مثل ذلك فقال: باب وعظ الإنسان من هو أجل منه.
وأورد حديث ابن عباس الآتي في فضل الرفق من رواية البخاري عند قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالمعروف﴾
ثم قال: (وأما الأحاديث بنحو ما ذكرنا فأكثر من أن تحصر، وأما ما يفعله كثير من الناس من إهمال ذلك في حق كبار المراتب، وتوهمهم أن ذلك حياء فخطأ صريح وجهل قبيح، فإن ذلك لير بحياء، وإنما هو خور ومهانة وضعف وعجز، فإن الحياء خير كله، والحياء لا يأتي إلاّ بخير، وهذا يأتي بشر، فليس بحياء، وإنما الحياء عند العلماء الربانيين والأئمة المحققين خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق).
انتهى والله أعلم.
وأما ترك الإنكار على ذي الشيبة إكرامًا له وتوقيرًا (فلا) شاهد معصية من شيخ فيستحي منه لشيبته أن ينكر عليه، لقوله.-ﷺ-: (إن من إجلال (الله) إكرام ذي الشيبة المسليم ). فهذا الحياء حسن. وأحسن منه أن يستحي من الله فلا يضيع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالقوي يؤثر الحياء من الله على الحياء من الناس.