وأما قوله- تعالى-: ﴿- إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنَّة﴾.
اشترى- سبحانه- منهم أنفسهم فوهبوا قلوبهم شكرًا له فقال: اشترى نفوسهم. وأما القلوب فاستأسرها قهرًا. والقهر في سنة الأحباب أعز من الفضل.
وقال أبو علي الدقاق: لم يقل- سبحانه-: اشترى قلوبهم، لأن القلب وقف على محبته والوقف لا يشتري.
فجعل- سبحانه- العوض عن بذل النفس أعلى الأشياء وأغلاها وهو الجنة ومن بذل نفسه لله- تعالى- وقام في رضاه وطاعته أربح الله تجارته، وجبر فاقته، وأسكنه جنته وهذا من أنواع الجهاد وأن الجهاد أنواع. وهو من أفضل ما يعده المرء ليوم الفاقة.
وهو على أقسام: فتارةً يكون الجهاد في الأعداء من الكفار، وتارة يكون في النفوس، وهي أعدى الأعداء، وتارةً يكون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال بعض العلماء: وهو مطلوب في هذا الزَّمان، لأن الكفار قد انكسرت شوكتهم
[ ٥٣ ]
وقال مددهم وعلت كلمت الإسلام، وظهرت. وبقى اليوم جهاد النفوس، والتكلم بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قوله: ﴿التَّائبون العابدون الحامدون السَّائحون الرَّاكعون السَّاجدون الآمرون بالمعروف والنَّاهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين﴾.
قال ابن عباس﵄-: "لما نزلت ﴿إن الله اشترى من المؤمنين ﴾ الآية قال رجل: يا رسول الله وإن زنى وإن سرق، وإن شرب الخمر، فنزلت ﴿التائبون العابدون﴾ الآية قوله ﴿التائبون﴾ أي الراجعون عن الحالة المذمومة في معصية الله إلى الحالة المحمودة في طاعة الله).
(العابدون) أي المطيعون (بالعبادة).
(الحامدون) الراضون بقضائه، المصرفون نعمته في طاعته، الذين يحمدونه على كل حال.
(السائحون) الصائمون. روى عن ابن مسعود، وابن عباس، وعائشة﵃-.
وقيل: "السياحة الجهاد"- كما روى مرفوعًا.
وقيل: الذين حبسوا أنفسهم في أوامره طلبًا لمرضاته.
وقيل: السائحون- بأفكارهم- في توحيده.
(الراكعون) يعني في الصلاة المكتوبة وغيرها.
وقيل: الخاضعون لله في جميع الأحوال.
(الآمرون بالمعروف) أي بالسنة.
وقيل: بالإيمان والعمل الصالح.
وقيل: الذين يدعون الخلق إلى الله، ويحذرونهم عن غير الله، يتواصون بالإقبال على الله، وترك الاشتغال بغير الله.
﴿والناهون عن المنكر﴾ قيل: عن البدعة.
وقيل: عن الكفر.
[ ٥٤ ]
وقيل: هو عموم في كل معروف ومنكر وينهون أنفسهم عن إتباع المنهي (عنه) والشهوات.
﴿والحافظون لحدود الله﴾ أي القائمون بما أمروا به والمنتهون عما نهوا عنه الواقفون حيث وقفهم، الذين يحفظون مع الله أنفاسهم.
قال الإمام أبو حيان- في تفسيره-: فترتيب هذه الصفات في غاية الحسن، إذ بدأ- أولًا- بما يخص الإنسان لغيره، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بما شمل ما يخصه في نفسه وما يتعدى إلى غيره وهو الحفظ لحدود (الله) انتهى.
ولما ذكر سبحانه مجموع هذه الأوصاف أمر رسول اللهﷺ- بأن يبشر المؤمنين. وفي الآية التي قبلها قال: (فاستبشروا) أمرهم بالاستبشار فحصلت لهم المزية التامة بأن الله أمرهم به، ثم أمر رسولهﷺ- أن يبشرهم. والله أعلم.