قال أبو عبد الله أحمد بن حمدان - في الرعاية -: ومن التزم مذهبًا أنكر عليه مخالفته بلا دليل ولا تقليد سائغ ولا عذر آخر. وقال في موضع آخر: يلزم كل مقلد أن يلتزم بمذهب معين في الاشهر ولا يقلد غير أهله. وقيل: بلا ضرورة. قال أبو العباس ابن تيمية - بعد أن ذكر المسألة الأولى من كلام "ابن حمدان: هذا يراد به شيئان: أحدهما، أن من التزم مذهبًا معينًا ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك، ومن غير عذر شرعي يبيح له ما فعله، فإنه يكون متبعًا لهواه، وعاملًا بغير اجتهاد ولا تقليد فاعلًا للمحرم بغير عذر شرعي وهذا منكر. انتهى.
قال أبو عبد الله بن مفلح: وقد نص الإمام أحمد وغيره على أنه ليس لأحد أن يعتقد
[ ٢٢٨ ]
الشيء واجبًا أو حرامًا، ثم يعتقده غير واجب ولا حرام بمجرد هواه مثل أن يكون طالبًا لشفعة الجواز فيعتقد أنها حق له، ثم إذا طلبت منه اعتقد أنها ليست ثابتة. أو إذا كان له عدو يفعل بعض الأمور المختلف فيها كشرب النبيذ المختلف فيه، ولعب الشطرنج، وحضور السماع يقول: إن هذا ينبغي أن يهجر وينكر عليه، فإذا فعل ذلك صديقه اعتقد أن ذلك من مسائل الاجتهاد التي لا تنكر فشل هذا ممن يكون في اعتقاده حل لشيء وحرمة ووجوبه وسقوطه بحسب هواه فهو مذموم مجروح خارج عن العدالة.
وقد نص الإمام أحمد وغيره من العلماء: أن ذلك لا يجوز، وأما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على قول إما بالأدلة المفصلة إن كان يعرفها ويفهمها، وإما بأن يرى أحد الرجلين أعلم بتلك المسألة من الآخر وهو أتقى منه فيما يقول فيرجع عنه قول إلى قول لمثل هذا، فهذا يجوز بل يجب وقد نص عليه أحمد وغيره.
وقال أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية - ﵀ - هل على العامي أن يلتزم مذهبًا معينًا يأخذ بعزائمه ورخصه؟ فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد والشافعي. والجمهور من هؤلاء وهؤلاء لا يوجبون ذلك. والذين يوجبونه يقولون: إذا التزمه لم يكره له أن يخرج عنه ما دام ملتزمًا له أو ما لم يتبين له أن غيره أولى بالالتزام منه.
ولا ريب أن التزام المذاهب والخروج عنها إن كان لغير أمر ديني. مثل أن يلتمس مذهبًا لحصول عرض دنيوي من مال أو جاه أو نحو ذلك فهذا مما لا يحمد عليه بل يذم عليه في نفس الأمر ولو كان ما انتقل إليه خيرًا مما انتقل عنه، وهو بمنزلة من يسلم لا يسلم إلاّ لغرض دنيوي. وأما إن كان انتقاله من مذهب إلى مذهب لأمر ديني فهو مثاب على ذلك، بل واجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله - تعالى - ورسوله في أمر أن لا يعدل عنه ولا يتبع أحدًا في مخالفة الله ورسوله. انتهى.
قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين - ﵀ - فيمن خالف مذهبه: ينكر عليه وإن جاز أن يختلف اجتهاده الأول، لان الظاهر بقاؤه عليه. وإلاّ لأظهره لينتفي عنه الظنة والشبهة، كما ينكر على من أكل في رمضان أو طعام غيره وإن جاز له أن يكون هناك عذر. ثم قال: وإن علمنا من حال العامي أنه قلد من يسوغ اجتهاده لم ينكر عليه، وإلاّ أنكرناه.
قال أبو الوفا علي بن عقيل: ومن لم يعلم أن الفعل الواقع من أخيه المسلم جائز في الشرع أم غير جائز فلا يحل له أن يأمر ولا ينهى. وقال أبو حامد الغزالي: (ذهب ذاهبون
[ ٢٢٩ ]
وقالوا: لا إنكار إلاّ في الخمر والخنزير وما يقع حرامًا، ولكن لا شبهة عندنا أن الاجتهاد يؤثر في حق المجتهد).
ثم قال - في مكان آخر -: (فالعامي - ينبغي له أن لا ينكر إلاّ في الجليان المعلومة كشرب الخمر والزنا وترك الصلاة. فأما من يعلم كونه معصية بالإضافة إلى ما يطيف به من الأفعال ويفتقر فيه إلى اجتهاد. فالعامي إن خاض فيه كان ما يفسده. كثر مما يصلحه. وعن هذا يتأكد ظن من لا يثبت ولاية الأمر والنهي إلاّ بتعيين الإمام، إذ ربما يبتدر لها من ليس أهلًا لها، لقصور معرفته أو قصور ديانته فيؤدي إلى وجه من الخلل.
وقال صاحب المحرر مجد الدين بن عبد السلام بن تيمية وغيره بعد إيراد حديث عائشة﵂-: أن أناسًا يأتوننا باللحم لا ندري أسموا عليه أم لا؟ قال: سموا أنتم وكلوا.
قالوا: وهو دليل على أن التصرفات والأفعال تحمل على الصحة والسلامة إلى أن يقوم دليل الفساد. والله أعلم.