قال أبو حامد - ﵀: أما الدرجة الأولى فهي التعرف ونعني به، طلب المعرفة بجريان المنكر وهو التجسس وذلك منهي عنه قلت كما سيأتي بيانه - في الباب الخامس - إن شاء الله - تعالى -.
ثم قال - ﵀ -: فلا ينبغي له أن يسترق السمع على دار غيره، ليسمع صوت الأوتار، ولا أن يستنشق، ليدرك رائحة الخمر، ولا أن يمس ما في ثوبه ليعرف شكل المزمار ولا أن يستخبر من جيرانه، ليخبروه بما يجري في داره نعم (لو) أخبره عدلان ابتداء بأن فلانًا يشرب الخمر في داره، أو بأن في داره خمرًا أعده للشرب، فله إذ ذاك أن يدخل داره ولا يلزمه الاستئذان - هذا قول أبي حامد - ولم يذكر إذن الإمام في ذلك.
لكن قال أبو طالب عمر بن الربيع - في كتابه الأمر بالمعروف -: فإن قيل: (لم) أجزتم للإمام الهجوم عل قوم اجتمعوا على المسكر، وعلى الملاهي أو على من يبيع المسكر في داره أو نحو هذا؟ قيل: إن للإمام أن يعاقب مثل هؤلاء على بما هو أعظم من الهجوم عليهم في منازلهم وسيأتي - في الدرجة الرابعة في تحريق عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب - ﵄ - بيتين وجد فيهما خمرًا. ولا ريب أن إحراق المنازل أعظم من الهجوم عليها: فإن قيل: أو ليس بيت المؤمن حرزًا له؟ قيل: هو حرز له ما كان على إيمانه وستره، فإن أصاب أحدًا أو دمًا واعتصم ببيته كان للإمام أن يأمر بالهجوم عليه، وأن يستخرجه من بيته، ليقام عليه ما يستحقه من الحد، كذلك لو سرق أو قطع الطريق، ثم صار إلى بيته كان للإمام أن يهجم عليه في بيته ويتخرج منه أموال المسلمين، ويفعل به
[ ٢٣٤ ]
ما يستحقه ومن كان يبيع الخمر في بيته أنكرنا عليه بالعظة، ولم نهجم عليه إلا بأمر السلطان وأمرائه ويجب علينا أن ننهي ذلك إليهم وعليهم أن يهجموا عليه ويكسروا ما أصابوا عنده ويعاقبوه بما يروا من العقوبة وإن أمرنا بالهجوم عليهم (وجب علينا) أن نهجم عليهم، وأن نكسر ما أصبنا وليس لنا أن نعاقبهم، لأن العقوبة إنما هي للإمام ولأمرائه، فإن باع ذلك في الأسواق والطريق ظاهرًا وجب على المسلمين أن يمنعوه، لأن إظهار ذلك استخفاف بالمسلمين. وللإمام وأمرائه أن يعاقبوه وليس ذلك للعوام. قال الغزالي - ﵀ -: فإن أخبره عدلان أو عدل واحد - وبالجملة كل من تقبل روايته دون شهادته ففي جواز الهجوم على داره بقول هؤلاء نظر واحتمال. والأولى أن يمتنع لأن له حقًا في أن لا يدخل إلى داره بغير إذنه ولا يسقط حق المسلم عما ثبت حقه عليه إلاّ بشهادة عدلين انتهى.
وقد قيل: إنه كان نقش خاتم لقمان - ﵇ - الستر لما عاينت أحسن من إذاعة ما ظننت. فينبغي - حينئذ- أن لا يقبل في الإخبار بالمنكر إلاّ قول عدلين. كما تقدم - في الركن الثالث - قال الله - تعالى ﴿يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾
وروى الإمام أحمد - في سبب نزول هذه الآية - بسنده - عن الحارث بن ضرار الخزاعي - ﵁ - قال: قدمت على رسول اللهﷺ- فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به، فدعاني إلى الزكاة فأقررت بها. وقلت: يا رسول الله أرجع إلى قومي في دعوهم إلى الإسلام، وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته، فيرسل إلى رسول الله ﷺرسولًأ لأمان كذا وكذا ليآتيك ما جمعت من الزكاة (فلما جمع الحارث الزكاة) ممن استجاب له وبلغ الأمان الذي أراد رسول الله - ﷺ - أن يبعث إليه فقد سلم. قال رسول الله -ﷺ: - (نعم ارجع إليهم فادعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة. فرجع إلى قومه فدعاهم فأسلموا فلما كان بعد ذلك احتبس الرسول فلم يأته قال الحارث فخشيت أن يكون حدث حدث فيه سخطة من الله ورسوله فدعا بكبراء قومه. فقال لهم: إن رسول الله -ﷺ- كان وقت ليَّ وقتًا يرسل إليَّ رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله -ﷺ- الخلف: ولا أرى حبس رسوله إلاّ من سخطة كانت فانطلقوا فنأتي رسول الله -ﷺ- وبعث رسول الله -ﷺ- الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة فلما
[ ٢٣٥ ]
أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع فأتى رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي. فضرب رسول الله -ﷺ- البعث إلى الحارث وأقبل الحارث بأصحابه، إذا استقبل البعث وفصل من المدينة لقيهم الحارث. فقالوا: هذا الحارث فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إذ رسول الله -ﷺ- كان بعث إليك الوليد بن عقبة. فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله، قال: لا، والذي بعث محمدًا بالحق ما رأيته، ولا أتاني. فلما دخل الحارث على رسول الله -ﷺ- قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟ قال: والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلت إلاّ حين احتبس عليَّ رسول رسول الله -ﷺ- خشيت أن تكون كانت سخطة من الله ورسوله فنزلت: ﴿يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق ﴾ إلى قوله: ﴿ والله عليم حكيم﴾.
قال بعض المفسرين: وفي هذه الآية دليل على قبول خبر الواحد، إذا كان عدلًا، لأنه -سبحانه - إنما أمر في الآية بالتثبت عند نقل خبر الفاسق.
وفيها دليل- أيضًا - على فساد قول من قال: إن المسلمين كلهم عدول حتى يثبت الجرح؛ لأن الله - تعالى- أمر بالتثبت قبل إنفاذ الحكم، فإن حكم الحاكم قبل التثبت فقد أصاب المحكوم عليه بجهالة وإن قضى بما يغلب على الظن لم يكن ذلك عملًا بجهالة، كالقضاء بالشاهدين العدلين، وقبول قول العالم المجتهد. وإنما العمل بجهالة قبول قول من لا يحصل غلبة الظن بقوله).