وأما الدرجة الثالثة: فهي النهي بالوعظ والنصح والتخويف بالله - ﷿ - وذلك فيمن يقدم على الأمر، وهو عالم بكونه منكرًا، أو فيمن أصرَّ عليه بعد أن عرف كونه منكرًا، كالذي يواظب على الشرب، أو على الظلم أو على اغتياب المسلمين، أو ما يجري مجراه فينبغي أن يوعظ، ويخوف بالله - تعالى - وتورد عليه الأخبار الواردة بالوعيد في ذلك، وتحكى له سيرة السلف وعبادة المتقين، وكل ذلك بشفقة ولطف من غير عنف وغضب؛ بل ينظر إليه نظر المترحم عليه، ويرى إقدامه على المعصية مصيبة على نفسه، إذ المسلمون كنفس واحدة كما سيأتي بيان ذلك فيما بعد - إن شاء الله.
ومن الناس من يستفزه الزهو والعجب، فإن وعظ عنَّف وان وعظ أنف. قال بعض
[ ٢٣٨ ]
المحققين: فذلك في الدرك السابع من النار والفرق بين الموعظة والملامة: أن الموعظة أن تقبح الفعل المذموم وتذمه عند عامله، وقلبك يرحم ويعطف عليه قاصدًا بذلك الذم لنفسه الأمارة بالسوء التي دعته إلى فعل المذموم تريد أن تعصى به حتى تنكسر وتذل، فذلك منك نصرة للحق وعطف على أخيك وتكون معينًا له على نفسه بذلك، وينبغي أن يكون ذاك سرًا فيما بينه وبينه في أول مرة، فإن الله - ﷾ - من كرمه وستره على عبده الخاطئ يستر ذنبه إذا حاسبه - كما في الصحيحين، ومسند أحمد من حديث ابن عمر. ﵁ - قال: (إن الله ليدني المؤمن فيضع عليه كتفه ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا ..) الحديث.
وروى البيهقي - بسنده - عن أم الدرداء - ﵂ - قالت من وعظ أخاه سرًا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد شأنه" وكذلك روي عن الإمام الشافعي: من وعظ أخاه سرًا فقد نصحه وزانه. ومن وعظه علانية فقد فضحه وشأنه).
وذكر أبو عمر ابن عبد البر في كتابه - بهجة المجالس - عن مسعر بن كدام، أنه قال: رحم الله من أهدى إلي عيوبي في سر بيني وبينه، فإن النصيحة في الملا تقريع".
وروى الإمام أبو بكر بن أبي الدنيا - بسنده - عن ابن وديع قال: قال سليمان الخواص: (من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه.
وفي شعب الإيمان للبيهقي- بسنده - عن عبد الرحمن بن مطرف قال: كان الحسن ابن صالح ابن حي إذا أراد أن يعظ أخًا له كتبه في اللوح وناوله.
قيل لأبي الفضيل بن عياض: إنّ سفيان بن عيينة قبل جوائز السلطان؟ فقال: "فضيل" ما أخذ منهم إلاّ دون حقه، ثم خلا به وعذله ووبخه. فقال سفيان: (يا أبا علي إن لم نكن من الصالحين فإنا لنحب الصالحين).
وقال بعض السلف: (ينبغي أن يكون الوعظ والنصح في سر لا يطلع عليه أحد فما كان
[ ٢٣٩ ]
على الملإ فهو توبيخ وفضيحة وما كان في السر فهو شفقة ونصيحة).
وروى الحافظ أبو نعيم - في الحلية - بسنده عن مرة بن شرحبيل. قال: سئل سلمان ابن ربيعة عن فريضة خالفها عمرو بن شرحبيل فغضب سلمان، ورفع صوته. فقال عمرو: والله لكذلك أنزلها الله - ﷿ - فأتيا أبا موسى الأشعري. فقال: القول ما قال أبو ميسرة. وقال لسلمان: ما كان ينبغي لك أن تغضب أن أرشدك رجل. وقال لعمرو: قد كان ينبغي أن تساوره ولا ترد عليه والناس مجموعون يسمعون.
قال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني - قدس الله روحه -: والأولى له أن يأمره وينهاه في خلوة، ليكون ذلك أبلغ وأمكن في الموعظة والزجر والنصيحة له، وأقرب إلى القبول والإقلاع فإن فعل ذلك ولم ينفعه أظهر - حينئٍذ - ذلك، واستعان عليه بأهل الخير، وإن لم ينفع فبأصحاب السلطان. انتهى.
(والفرق بين النصيحة والتوبيخ، الإسرار والإعلان) فإن لم يندفع المنكر بإسرار الموعظة ولم ينته صاحبه أظهر - حينئٍذ - ذلك وأذاعه وأعلنه. كما سيأتي بيانه قريبًا - إن شاء الله - تعالى-