قال بعض المحققين: والذي ينبغي للآمر الناهي بالوعظ وحمل الناس على ترك الذنوب والمعاصي أن يستعمل في ذلك أربعة أنواع:
الأول: أن يذكر ما في القرآن من الآيات المخوفة للعاصين والمذنبين وكذلك ما ورد من الأحاديث والآثار وأقوال السلف من العلماء والصلحاء وغيرهم، وذلك باب واسع يضيق هذا المحل بذكره.
الثاني: أن يذكر حكايات الأنبياء والسلف وما جرى عليهم من المصائب بسبب ذنوبهم فذلك شديد الوقع ظاهر النفع في قلوب الخلق. مثل: أحوال آدم في عصيانه، وما لقيه من الإخراج من الجنة، ومثل: ما عوقب به سليمان بن داود - ﵉ - على خطيئته وسلب ملكه أربعين يومًا. وكذلك يوسف لما قال: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ قال
[ ٢٤٠ ]
الله - تعالى -: ﴿.. فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين﴾ إلى غير ذلك وإن ذلك لم يرد به القرآن والأخبار ورود الإسمار بل الغرض منه الاعتبار والاستبصار ليعلم أن الأنبياء لم يتجاوز عنهم في الذنوب الصغار فكيف يتجاوز عن غيرهم بأن عوجلوا بالعقوبة، ولم يؤخروا إلى الآخرة .. فهذا - أيضًا - مما ينبغي عليه أن يكثر منه على أسماع المصرين، فإنه نافع في تحريك دواعي الانكفاف، والإقلاع عن المعاصي بالتوبة.
النوع الثالث: أن يقرر - عندهم - أن تعجيل العقوبة في الدنيا متوقع على الذنب، وأن كل ما يصيب العبد من المصائب فهو بسبب جناياته فكم من عبد يتساهل في أمر الآخرة ويخاف من عقوبة الله في الدنيا أكثر لفرط جهله. فينبغي أن يخوف به، فإنّ الذنوب كلها يتعجل شؤمها في الدنيا. كما جرى لداود وغيره ممن تقدم ذكره حتى يضيق على العبد رزقه بسبب ذنبه. كما روى ابن ماجه، والحاكم وصححه من حديث ثوبان مرفوعًا (.. إن الرجل ليحرم الرزق بسبب الذنب يصيبه ).
وقال ابن مسعود: إني لأحسب أن العبد ينسى العمل بذنب يصيبه.
وقال بعض السلف: ليست اللعنة سوادًا في الوجه ونقصًا في المال إنما اللعنة ألا تخرج من ذنب إلاّ وقعت في مثله أو شرًا منه. لأن اللعنة هي الطرد والإبعاد، فإذا لم يوفق للخير، ويتيسر له الشر فقد أبعد، والحرمان عند رزق التوفيق أعظم حرمان وكل ذنب يدعو إلى ذنب أخر يتضاعف فيحرم العبد به من رزقه النافع في مجالسة العلماء والصالحين فيمقتونه.
وحكي عن بعض العارضين: أن رجلًا كان يمشي جامعًا ثيابه محترزًا حتى زلقت رجله وسقط في وحل فقام وهو يمشي في وسط الوحل ويبكي ويقول: هذا مثل العبد لا يزال يتوقى الذنوب ويخافها، حتى يقع في ذنب وذنب فعند ذلك يخوض الذنوب خوضًا. وهذه إشارة إلى أن صاحب الذنب يتعجل عقوبته بالإنجرار إلى ذنب آخر.
ولذلك قال الفضيل بن عياض: ما أنكرت من تغير الزمان وصفاء الإخوان فذنوبك أورثتك ذلك.
وقال بعضهم: إني لأعرف عقوبة الذنب في سوء خلق حماري.
[ ٢٤١ ]
وقال بعضهم: أعرف العقوبة حتى في فأر بيتي.
وقال بعض الصوفية: نظرت إلى غلام نصراني حسن الوجه فوقفت أنظر إليه فمر بي ابن الجلاء الدمشقي، فأخذ بيدي فاستحسنت ذلك منه وقلت: يا أبا عبد الله سبحان الله تعجبت لهذه الصورة وهذه الصنعة المحكمة، كيف خلقت للنار! ! فغمز يدي. وقال: لتجدن عقوبتها بعد حين. قال: فعوقبت بعد ثلاثين سنة. قال: أبو سليمان الداراني: الإحتلام عقوبة.
وقال - أيضًا -: لا يفوت أحد صلاة جماعة إلاّ بذنب يذنبه. والأخبار كثيرة في آثار الذنوب في الدنيا من الفقر والمرض وغيره بل من شؤم الذنب - في الجملة - أن يكتسب ما بعده فإن ابتلى بشيء كان عقوبة له، ويحرم جميل الرزق، حتى يتضاعف شقاؤه، وإن أصابه نعمة كان استدراجًا ويحرم جميل الشكر حتى يعاقب على كفرانه.
النوع الرابع: من صفة الوعظ أن يذكر ما وقع من العقوبات على آحاد الذنوب في محله كالخمر والزنا والسرقة والقتل والغيبة والكبر والحسد وغير ذلك مما لا يمكن حصره.
وذكره مع غيره أهله، وضع للدواء في غير محله بل ينبغي أن يكون الآمر الناهي بالوعظ كالطبيب الحاذق يتدل أولًا بالنبض والسحنة ووجوه الحركات على العلل الباطنة ويشتغل بعلاجه ويستدل بقرائن الأحوال على خفايا الصفات، ويضع كل شيء في محله اقتداء برسول الله -ﷺ- حيث قال له رجل: أوصني ولا تكثر علي. فقال: لاتغضب.
وقال آخر: أوصني فقال: (عليك باليأس مما في أيدي الناس فإنّ ذلك هو الغنى، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر، وصل صلاة مودع وإياك وما يعتذر منه).
وروى الحديث الأول البخاري، ومالك، وأحمد، والترمذي من حديث أبي هريرة - كما سيأتي في الباب الرابع إن شاء الله- تعالى-.
وروى الحديث الثاني - ابن ماجه، والحاكم من حديث أبي أيوب الأنصاري. فكأنه -ﷺ- توسم في السائل الأول مخايل الغضب فنهاه عنه، وفي السائل الآخر مخايل الطمع
[ ٢٤٢ ]
وطول الأمل فأعطى كل إنسان ما يلائمه.
فهكذا ينبغي أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في درجة الوعظ والنصح، لأن المواعظ مثل الأغذية التي تشترك العامة في التغذي بها ولأجل فقد الوعاظ العارفين انحصر باب الاتعاظ وغلبت المعاصي والفساد، وبلي الخلق بوعاظ يزخرفون أشجانًا، وينشدون أشعارًا. ويتكلفون ذكر ما ليىس في وسع علمهم ويعرضون بذكر العقائد المختلف فيها، ويقذفون العلماء والأخيار من السلف والخلف والأحياء والأموات بحسب ميل أهويتهم ووقوع أغراضهم مما ليسر للناس به كثير نفع، بل يكون ذلك - في الغالب. سببًا لإظهار الخصومات وتحريك العداوات و(إساءة) العقائد والظنونات فيسقط - حينئٍذ - عن القلوب وقارهم حيث لم يكن كلامهم صادرًا عن القلب فلأجل ذلك لم يدخل إلى القلب، بل الواعظ ينحرف والمستمع يتكلف نعوذ بالله من مضلات الفتن وما ظهر منها وما بطن.