ويتأكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أعيان المسلمين وهم ذوو
[ ١١٣ ]
الولاية والسلطان. فعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم، فإن مناط الوجوب هو القدرة فيجب على القادر ما لا يجب على العاجز، قال الله - تعالى-: ﴿فاتَّقوا الله ما استطعتم ..﴾.
وروى مسلم، وأحمد والنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ( إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم ).
ثم العلماء الذين قد رفع الله - ﷿ - لهم علمًا في الدين، وأقامهم أئمَّة للمؤمنين وجعلهم حجَّةً على العالمين.
ثم العباد الذين قد نشر الله لهم علمًا في العبادة، وأجاش عليهم القلوب بالمحبَّة والإرادة.
ثمَّ غيرهم من أهل النفاسة من الأمراء والتجار وغيرهم ممن قد نشر الله لهم علمًا بقبول القول فهؤلاء الحجَّة عليهم آكد، والمساءلة من الله لهم أشد، لما منَّ الله به عليهم، وبسط لهم في الجاه، وقبول القول فمتى تكلم هؤلاء في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أعز الله بهم الدين وقمع الظالمين والمفسدين، ومتى تخلفوا عن الأمر والنهي وطووا ألسنتهم كانوا أعوانًا للظالمين وعضدًا للمفسدين.
وإنما كثر الفساد والمنكر وظهر في الناس حتى عم الشرق والغرب، وضيعت الفرائض واستحلت المحارم، بسكوت أهل العلم والعباد، وأهل الفضل، لما تركوا من واجب النصيحة بالأمر والنهي والإنكار على من أظهر المنكر، وجاهز به، والتعليم لأهل الجهل.
فلمَّا لم يروا آمرًا ولا ناهيًا، ولا ناصحًا، ولا مؤدبًا، ولا معلمًا، ولا منكرًا ولا مغيرًا أظهروا المنكر واستخفوا بالفرائض واستحلوا المحارم.
فصار أهل العلم والفقه في ذلك آثمين عصاةً خائنين، لمخالفتهم أمر الله وعهده، وحيث قال: ﴿وإذا أخذ الله ميثاق الَّذين أوتوا الكتاب لتبيِّننَّه للنَّاس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون﴾.
[ ١١٤ ]
وحديث النبيِّ - ﷺ -: (ويلٌ للعالم من الجاهل) فلولا أن تعليمه وأمره ونهيه واجب عليه لازم لما جاء ذمُّهم في الآية الكريمة ولما توعده - ﷺ - بالويل في السكوت عنه، لأنَّ الويل لا يكون من ترك تطوع وإنما الذَّم والوعيد لا يكون إلا على ترك واجبٍ وفريضة.
فالحق الواجب على العلماء والفقهاء، والفرض اللازم لهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعليم لأهل الجهل، والأخذ على أيديهم، ومنعهم من إظهار المنكرات، لعلهم ينجون من الويل والوعيد الذي جاء على لسان رسول الله - ﷺ - في الكتاب والسنة، وإلا كانوا آثمين لتركهم ما وجب عليهم من الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر والنصيحة اللازمة لهم.
وإنَّما حل بهم الضعف عن القيام بما أوجب الله - ﷿ - عليهم من ذلك لأنهم جروا معهم في بعض أحوال أهل الجهل حتى إنك لترى من بعض أهل العلم والفقه النقص في فرائضهم: من مسابقة الإمام في الركوع والسجود الخفض والرفع وكثرة الالتفات وقلة العناية بفرائض الله - تعالى - ثم في الغيبة والوقيعة حتى صارت أكثر مجالسهم على ذلك (لا يتفقدون ذلك) من أنفسهم ولا يقومون عليها بواجب العلم.
هذا كلام أبي طالب عمر بن الربيع.
ثم قال: ولم أقصد الكلام للاستنقاص بهم وإنما أردت تأكيد الحجة عليهم، وأداء واجب النصيحة لهم، لقوله - ﷿ -: ﴿وذكِّر فإنَّ الذِّكرى تنفع المؤمنين﴾.
ولقوله - ﷺ -: (الدِّين النَّصيحة).
فوجبت هذه النصيحة من الصَّغير للكبير ومن الكبير للصَّغير، ولا ينبغي لأحد أن يتكبر عند قبول الحق من الصغير والكبير والجاهل والعالم. انتهى.
والمقصود أن الأدلة قد تطابقت على وجوب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر من الكتاب والسنَّة وإجماع الأمَّة، إذ هو من النَّصيحة التي هي الدِّين - كما سيأتي بيانه - ولم
[ ١١٥ ]
يخالف في وجوبه من علماء الأمة - سلفًا وخلفًا - سوى طائفة من الحشوية وهم فرقة من الرَّافضة - قبَّحهم الله - تعالى - فلا يعتدُّ بخلافهم كما قال إمام الحرمين أبو المعالي لا يكترث بخلافهم في هذا، فقد أجمع المسلمون عليه، ووجوبه بالشرع لا بالعقل خلافًا للمعتزلة.