ويجب إنكار المنكر المعطى إذا تحقق. في إحدى الروايتين عن الإمام أحمد- ذكرها
[ ٢٥٤ ]
صاحب الترغيب، وأبو الحسين محمد بن أبي يعلى وقالا: هي أصح لأننا تحققنا المنكر.
(ونص أحمد: أيضًا- في رواية إسحاق، ومحمد بن أبي حرب- في الطنبور، ووعاء الخمر وأشباه ذلك يكون مغطى -يكسره ويتلفه. قال: وفي رواية ابن منصور - في الرجل يرى الطنبور والطبل مغطى، والقنينة إذا كان تبينه أنه طنبور أو طبل أو فيها مسكر كسره.
وقال محمد بن أبي حرب: سألت أبا عبد الله- عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه؟ قال: يأمره. فإن لم يقبل يجمع عليه الجيران ويهول عليه. ونقل جعفر عن أحمد في من يسمع صوت الغنى في طريق. قال هذا قد ظهر أن ينهاه. ونقل عنه أي عن أحمد أن ينكر الطبل إذا سمع صوته.
ونقل جعفر، عن أحمد بن حمدان- في الرعاية: وقيل: من علم منكرًا قريبًا معه في دار ونحوها دخلها وأنكره.
قال أبو العباس بن تيمية: ومن كان قادرًا على إراقة الخمر، وجب عليه إراقتها (ولا ضمان عليه، وأهل الذمة إذا أظهروا الخمر فإنهم يعاقبون عليه - أيضًا - بإراقتها).
وشق ظروفها، وكسر أوانيها، وإن كنا لا نتعرض لهم إذا أسروا ذلك بينهم.
قال ابن مفلح: وهذا ظاهر في إنكار المنكر المستور. ولم نجد فيه خلافًا.
قال ابن عبد القوي وغيره: (المستتر من فعل المنكر بموضع لا يعلم فيه غالبًا- إما لبعد ونحوه، وما من يفعله بموضع يعلم به جيرانه ولو في داره فإنّ هذا معلن مجاهر غير مستتر).
قال أبو حامد الغزالي: فإن قلت: ما حد الظهور والاستتار؟ فاعلم أن من أغلق بابه
[ ٢٥٥ ]
وتستر بحيطانه فلا يجوز الدخول عليه بغير إذنه، لتعرف المصيبة إلاّ أن يظهر في الدار ظهورًا يعرفه من هو خارج الدار كأصوات المزامير والأوتار إذا ارتفعت بحيث يجاوز ذلك حيطان الدار فإن سمع ذلك فله دخول الدار وكسر الملاهي، وكذلك إذا ارتفعت أصوات السكارى بالكلمات المألوفة بينهم بحيث يسمعها أهل الشوارع، فهذا إظهار موجب الإنكار فإذًا إنما يدرك مع تخلل الحيطان صوت أو رائحة فإذا فاحت روائح الخمر، فإن احتمل أن يكون ذلك من الخمر المحترمة فلا يجوز قصدها بالإراقة وإن علم بقرينة الحال أنها فاحت، لتعاطيهم الشراب فهذا محتمل، والظاهر جواز الإنكار.
وقد تستر أواني الخمر وظروفه في الكم وتحت الذيل وكذلك الملاهي. فإذا رؤي فاسق وتحت ذيله شيء آخر لم يجز أن يكشف عنه ما لم يظهر بعلامة خاصة، فإن فسقه لا يدل على أن الذي معه خمر إذ الفاسق محتاج - أيضًا- إلى الخل وغيره فلا يجوز أن يتدل بإخفائه وأنه لو كان خلا لما أخفاه. فإن كانت الرائحة فائحة فهذا محل النظر والظاهر أن له الإنكار؛ لأن هذه علامة تفيد الظن، والظن كالعلم في أمثال هذه الأمور وكذلك العود ربما يعرف بشكله، إذا كان الثوب الساتر له رقيقًا، فدلالة الشكل كدلالة الرائحة والصوت، وما ظهرت دلالته، فهو غير مستور بل هو مكشوف، وقد أمرنا بأن نستر ما ستر الله وأن ننكر على من أبدى لنا صفحته انتهى.
قال ابن مفلح وجماعة: (إذا فاحت روائح الخمر، فالأظهر جواز الإنكار)
قال الغزالي - ﵀ - والإبداء له درجات: فتارة يبدو بحاسة السمع، وتارة بحاسة الشم، وتارة بحاسة البصر، وتارة بحاسة اللمس. ولا يمكن أن يختص بحاسة البصر بل المراد العلم. وهذه الحواس - أيضًا - تفيد العلم، فإذا إنما يجوز أن يكسر ما تحت الثياب إذا علم أنه خمر، وليس له أن يقول: أرني لأعلم ما فيه، فإنّ هذا هو التجسس الذي نهى الله عنه، ومعناه طلب الأمارات المعرفة: فإن حصلت وأورثته المعرفة جاز العمل بمقتضاها، فأما طلب الأمارة المعرفة فلا رخصة فيه أصلًا.
وقال عمر بن الربيع (الخشاب) في كتاب الأمر بالمعروف- في باب الإنكار على أصحاب الملاهي: إذا كان يسمع الناس حتى يصل إليهم في طرقهم ومساجدهم منعوهم بالوعظ، فإن انتهوا وإلاّ كان عليهم أن يعلموا السلطان، فإن فعلهم ذلك في منازلهم إذا كان
[ ٢٥٦ ]
يسمعه الناس هو استحقاق بالمسلمين كما لو أظهروا ذلك، لأن أذاه يصل إلى المسلمين وهم في منازلهم، كما يصل إليهم في طرقهم، فيجب على السلطان منعهم بالهجوم عليهم، وأن يعاقبهم بما يرى من العقوبة، فإذا لم يصل المسلمون إلى السلطان أو أحد من نوابه، وجب عليهم الهجوم على أولئك، وليس لهم أن يعاقبوهم، إنما العقوبة للسلطان فإن كان ذلك في منازلهم لا يظهر للناس إلاّ بالخير فليس لهم الهجوم ولكن بالعظة. انتهى.