قال القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى: اختلفت الرواية عن أحمد﵀ - فيمن تجارته الخمر هل يحرق بيته أم لا؟ على روايتين الأولى يحرق، لما روى أبو عبيد الله ابن بطة- بسنده- عن صفية بنت أبي عبيد، قالت: وجد عمر بن الخطاب﵁- في بيت رجل من ثقيف شرابًا، فأمر به عمر فحرق وكان يدعى "رويشدا" فقال عمر: إنك فويسق لست برويشد، وبسنده - أيضًا - عن الحارث بن عبد الله الأعور قال: شهد قوم على رجل عند علي بن أبي طالب - كرم الله وجه- أنه يصنع الخمر في بيته فيشربها، في مر بها "علي" فكسرت وحرق بيته، ونهب ماله، وجلده، ونفاه.
قال أبو عبد الله أحمد بن منصور للإمام أحمد - ﵀ - عن رجل مسلم وجد في بيته خمر؟ قال: يراق الخمر ويؤدب، وإن كانت تجارته تحرق.
كما فعل عمر برويشد.
وقال إسحاق بن راهويه كما قال أحمد.
وقد روى يحيى بن يحيى الليثي، عن مالك - أنه قال: لا أرى أن يحرق بيت الخمَّار.
وقال: وقد أخبرني بعض أصحابنا أن مالكًا كان يستحب أن يحرق بيت المسلم الخمار، الذي يبيع الخمر.
قيل له: فالنصراني يبيع الخمر من المسلمين؟ قال: إذا تقدم اليه فلم ينته فأرى أن يحرق عليه بيته بالنار.
والرواية الأخرى عن أحمد: لا يحرق بيت من تجارته الخمر ولا يتلف، لأنها كبيرة فلا يحرق بيت فاعلها كسائر الكبائر.
[ ٢٥٧ ]
قال أبو حامد: فإن قيل: فهلا جاز للسلطان تخريب ديار الفساق زجرًا. قلنا لو ورد الشرع بذلك لم يكن خارجًا عن سنن المصالح ولكنا لا نبتدع المصالح، بل نتبع فيها الشرع وكسر الظروف- وقد كان في بداية الشرع- عند شدة الحاجة إلى الزجر، وتركه بعد ذلك لعدم شدة الحاجة لا يكون نسخًا يزول بزوال العلة ويعود بعودها، وإنما جوزنا ذلك للإمام بحكم الإتباع ومنعنا آحاد الرعية لخفاء وجه الاجتهاد فيه. انتهى.
قال حنبل: سمعت أحمد - ﵀- سئل عمن يعمل المسكر ويبيعه. ترى أن يحول من الجوار؟ قال، أرى أن يوعظ في ذلك ويقال له. فإن انتهى وإلاّ نهى أمره إلى السلطان حتى يمتنع من ذلك.
قال ابن القاسم: سئل مالك - ﵀ - عن فاسق يأوي إليه أهل الفسق والخمر ما يصنع به؟ قال: يخرج من منزله، وتكرى عليه الدار والبيوت قال: فقلت: ألا تباع؟ قال: لا لعله يتوب، فيرجع إلى منزله.
قال ابن القاسم: يتقدم إليه مرة، أو مرتين أو ثلاثًا. فإن لم ينته أخرج وأكرى عليه.
قال ابن رشيد: قد قال "مالك" في الواضحة: إنها تباع عليه خلاف قوله في هذه الرواية.
قال: وقوله فيها أصح، لما ذكره من أنه قد يتوب ويرجع إلى منزله. ولو لم تكن الدار له وكان فيها بكراء، أخرج منها، وأكريت عليه، ولم يفسخ كراؤه فيها. قاله في كراء الدار من المدونة. والله أعلم.