وأما القسم الثالث: فهم المتخلفون عن الأمر والنهي بعد وجوبه، وتعيينه عليهم على
[ ٢٨١ ]
اختلاف ضروبه (يعرف المجرمون بسيماهم) والآمرون بالمعروف قليل ما هم. وهم على طبقات بحسب الغرض، في ترك القيام بهذا المفترض.
فإن الطبقة الأولى: هم- بالمقت والمذلة - أولى. قوم خالفوا الرحمن، وحالفوا الذل والخذلان، فوهبوا من المخلوقين، فتركوا القيام بذلك إيثارًا للدنيا على الدين فإن سنح لأحدهم أن يأمر وينهى، عارضه الخناس بما يلائمه ويهوى وزين له ترك ما عزم عليه من إنكار المنكر، من وجوه كثيرة لا تكاد أن تحصر.
من أعظمها أن يقول له: متى أمرت هذا أو نهيت أوصلك شره، وقطع عنك خيره وبره فيقبل إذ ذاك من إبليس، مائلًا إلى الخدع والتلبيس. ويترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجهله، مع إصرار على معاصيه فيا سوء فعله.
الطبقة الثانية: من يخاف على ماله، وذهاب جاهه، وزوال حاله فتراه شحيحًا بنذر يسير، سخيًا بذهاب دينه الخطير، لا ينكر منكرًا إذا رآه خوفًا على ذهاب دنياه، ولا يتكلم كلمة لله، رهبة من سقوط الجاه.
ولعمري إن ما يحذره سيأتيه، والذي يخاف منه يقع فيه.
الطبقة الثالثة: من يروح في بر الجيران، ويغلظ في إحسان الأقران، فيسكت عما يراه من المنكرات، لما لهم عليه من الأيادي والواصلات. فهذا مهما استهوته الشياطين، فأكل قليل الدنيا بكثير الدين، يا من اشترى سلع الشك بنقد اليقين، يا مستور الحال غدًا تبين، إذا حشرجت النفس وجاء الأنين، وبرزت إشارات الشقاء من الكمين، كيف يختار الضلال من يعرف الطريق الأرشد، كيف يؤثر النزول من يقال له اصعد؟ !
بعت أفضل الأشياء بقدر طفيف، وآثرت الفاني على الباقي وهذا الرأي سخيف.
الطبقة الرابعة: من يرى محبة الناس له على السكوت أكثر، فيترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مصانعة لهم أن لا يمقتوه، وتقية من أن يبغضوه. وجزعًا من الإعراض عن طريقه. وهلعًا لنفور أكثرهم عن تصديقه، فما أسرع ما تتقلب محبتهم له إذا كان كالمنافق لالتماس رضا الخلق بسخط الخالق! ! !
الطبقة الخامسة: كالتي قبلها في القرب، من حيث التماس الإكرام والمحمدة والحب فهم- في مدح الخلق على ترك الأمر والنهي- يرغبون، وللثناء عليهم- بذلك- يفرحون، يسر الواحد منهم بقول الناس: فلان عاقل خير من الأكياس، لا يعترض على احد ولا ينظر إليه، ولا يتبع عثرة عاص ولا ينكر عليه. ما بينه وبين أحد معاملة، ولا يرغب في اعتراض
[ ٢٨٢ ]
ولا مقاولة، فكلما سمع أشباه ذلك نفخ فيه الشيطان، واستهواه فأضله الله وما هداه.
الطبقة السادسة: من يترك ذلك تكبرًا وعجبًا، ويقصر عن القيام به فيزداد- عن ربه- بعدًا، وحجبًأ يرى أن القيام - بذلك- يضيع من قدره، ويهضم من رتبته بين الناس وفخره. يخاف إذا قام به أن لا يقبل مقاله، فيحتقر- بذلك-عند الخلق حاله. أما علم هذا المسكين وعيد رب العالمين بقوله: ﴿ أليس في جهنم مثوى للمتكبرين﴾؟
الطبقة الثامنة: قوم من أهل الزهادة، والاجتهاد في حسن العبادة. لا يغفلون عن استصحاب الفكر ولا يفترون عن ملازمة الذكر زموا أنفسهم بالتنفلات وخطموا أبصارهم وبصائرهم عن الالتفات، لكن إذا عرض لأحدهم منكر، لم يشتغل بإزالته خوفًا أن يقطعه ذلك عن عبادته.
فلعمري كيف يرجو هذا المسكين أن يسلم، وقد دخل عليه العدو من حيث لا يدري ولا يعلم! ! فارتكب محظورًا رضي أم لم يرض لاشتغاله بالتنفل عن القيام بالغرض.
فهذه الطبقات كلها مذمومة، وبعضها شر من بعض.
وقد. سبق في أواخر الباب الأول إشارة إلى من لم ير النهي عن المنكر من الدين، والمهم الذي ابتعث الله (له) المرسلين.
والله سبحانه - الموفق للسداد الهادي إلى سبيل الرشاد.
اللهم اجعلنا من المتقين الأبرار، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بالعشي والأبكار، وأسكنا معهم دار القرار، فأنت الواحد الكريم الغفار، ولا تجعلنا من المخالفين الفجار وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.