ويتأكد لزوم الورع للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، سيما بالإغراض عما في أيدي الناس بقطع المطامع، لأنها مذهبة للهيبة حيث كان غضبة لغرض دنيوي وكذلك سروره، فإن الطمع تعلق النفس بإدراك مطلوب تعلقًا قويًا.
وهو أشد من الرجاء، لأنه لا يحدث إلا عن قوة ورغبة وشدة إرادة فإذا اشتد صار طمعًا وإذا ضعف كان رغبة ورجاء.
وروي ابن ماجه، والحاكم، وغيرهما من حديث أبي أيوب الأنصاري﵁- أن رجلًا أتي النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أوصني وأوجز. فقال: (عليك باليأس عما في أيدي الناس، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر) الحديث.
ورواه أبو الشيخ ابن حيان في كتاب الأمثال، ورواه ابن أبي الدنيا- في كتاب القناعة- من حديث إسماعيل الأنصاري عن أبيه، عن جده.
وقد تقدم- في الباب الثاني- والله أعلم.
[ ٣٢٠ ]
قال وهيب بن الورد: من أراد شهوات الدنيا فليتهيأ للذل.
وانشدوا:
بلوت بني الدنيا فلم أر فيهم سوي غادر والغدر حشو إهابه
فجررت من كنز القناعة صارمًا قطعت إياسي عنهم بذبابة
فلا يراني واقفًا في طريقه ولا ذا يراني قاعدًا عنه بابه
وقد روي العطار- قدس الله روحه- قال: (مررنا بالبصرة في بعض الشوارع وإذا مشايخ قعود وصبيان يلعبون. فقلت: أما تستحيون من هؤلاء المشايخ؟ فقال صبي من بينهم: هؤلاء المشايخ قل ورعهم، فقلت هيبتهم).
قال بعض السلف: (ومن آداب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، تقليل العلائق حتى لا يكثر خوفه، وقطع المطامع من الخلائق حتى تزول عنه المداهنة).
وفي المعجم الأوسط لأبي القاسم الطبراني، وصحيح الحاكم من حديث سهل بن سعد﵁- في حديث طويل- أن جبريل قال للنبي - ﷺ -: "عز المؤمن استغناؤه عن الناس". ورواه أبو الشيخ في كتاب الثواب، وأبو نعيم- في الحلية.
قال الحاكم: صحيح الإسناد.
وجعله القضاعي- في مسند الشهاب- من قول النبي - ﷺ -.
وأنشد أبو حازم المدني:
الدهر أدبني والصبر رباني والقوت أقنعني واليأس أغناني
وأحكمتني من الأيام تجربة حتى نهيت الذي كان ينهاني
وغيره:
حنكتني نوائب الدهر حتى عرفتني طرائق الإرشاد
وفي جامع الترمذي، وغيره من حديث جابر بن عبد الله﵁- قال: ذكر
[ ٣٢١ ]
رجل عند النبي - ﷺ - بعباده واجتهاد، وذكر آخر برعة. فقال النبي - ﷺ -: (ألا يعدل بالرعة شيء).
الرعة- بكسر الراء- من الورع. وهو الكف عن الحرام، ثم (يصير) التحرج منه حالًا.
ورع الرجل- يرع- بالكسر فيهما- ورعًا، فهو ورع، ونورع من كذا استعير للكف عن المباح، إذا كان يؤدي إلي الوقوع في الشبهات. والله أعلم.
وقد روي البيهقي- في شعب الإيمان - بسنده عن أحمد بن أبي الحواري. قال: سمعت عرام بن سميع. قال: كان سليمان الخواص يمر باللحام يأخذ منه لقط له فمر به فإذا تكلم (أمسك) قال: تقول له نفسه: يا أبا سليمان من أجل قط تمسك عن الكلام! ! فجاءه إلي منزله فأخرج القطة فطردها، ثم صار إلي اللحام من الغد فوعظه. هذه رواية البيهقي.
وذكر القصة أبو حامد الغزالي. وزاد- بعد ذلك- فقال له القصاب: لا أعطيك بعدها شيئًا لسنورك. فقال: ما أنكرت عليك إلا بعد إخراج السنور وقطع الطمع منك.
وروي أبو نعيم عن الثوري (إن الرجل ليستعير من السلاطين الدابة أو السرج فيتغير قلبه لهم.
وروي أبو بكر الخلال- بسنده- عن ميمون بن مهران أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز قال له: يا أبت ما يمنعك أن تمضي لما تريده من العدل؟ فو الله ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك. قال: يا بني إني إنما أروض الناس رياضة الصعب، إني أريد أن أحيي الأمر من العدل فأؤخر ذلك حتى أخرج معه طمعًا من طمع الدنيا، فينفروا لهذه ويسكنوا لهذه.
قال بعضهم: (من لم يقطع الطمع من الخلق، لا يقدر على الإنكار بيده، ولا بلسانه لعجزه).
[ ٣٢٢ ]
وقال بعض الزهاد "للمنصور": (اذكر ليلة تمحض عن يوم القيامة لا ليلة بعدها. فأفحم المنصور) فأمر له بمال. فقال لو (تطلعت) إلي مالك ما وعظتك. وقال أكثم بن صيفي -رحمه الله_: ما يسرني أني مكفي من أمر الدنيا. قيل له: قال: أخاف عادة العجز.
وصدق﵀- لأن العاجز ذليل لا يمكن من إزالة المنكرات ولا من غيرها.
وقال بعض السلف: ينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر نزيهًا عفيفًا معرضًا عما في أيدي الناس، لتقبل موعظته وتؤثر نصيحته، ويصير حرًا.
قال أبو العتاهية:
أطعت مطامعي فاستبعدتني ولو أني قنعت لكنت حرًا
قال الإمام أحمد -﵀-: (سمعت محمد بن السماك يقول: الطمع غل في عنقك، وقيد في رجلك، فأخرج الغل من عنقك، يخرج القيد من رجلك).
(الغل- بضم الغين- طوق من حديد أو شبهه يجعل في العنق ويكسرها هو الحقد في القلب) والله أعلم.
وقال سفيان الثوري: ما وضع رجل يده في قصعة رجل إلا ذل له.
وأنشدوا:
لا تخضعن لمخلوق علي طمع فإن ذلك وهن منك في الدين
واسترزق الله في خزائنه فإنما الرزق بين الكاف والنون
وقال الجنيد: لا يكون العبد لله عبدًا حتى يكون مما سواه حرًا.
وقال أبو العباس: فإنه من أحب غير الله ورجاه أو خافه صار فيه عبودية له، فلا يكون عبدًا مخلصًا لله. انتهي.
قال بعض السلف: الحر عبد ما طمع والعبد حر ما قنع.
[ ٣٢٣ ]
قال يحيى بن يوسف الصرصري﵀-:
إذا انقطعت أطماع عبد عن الورى تعلق بالرب الكريم رجاؤه
فأصبح حرًا عزة وقناعة على وجهه أنواره وضياؤه
وإن علقت بالخلق أطماع نفسه تباعد ما يرجو وطال هناؤه
ثم الورع- أيضًا- علي الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، وقطع المطامع من شيئين.
قال أبو الفرج بن الجوزي﵀-: من لم يقطع الطمع من الناس من شيئين لم يقدر علي الإنكار عليهم.
الأول: من لطف ينالونه به.
والثاني: من رضاهم عنه وثنائهم عليه. انتهي.
وقال أبو حامد الغزالي:
(من أبواب الشيطان الداخل منها إلي القلب الطمع فيما عند الناس فإنه إذا غلب علي القلب فإنه لم يزل الشيطان يحن التصنع والتزين لمن يطمع فيه بأنواع الرياء والتلبيس حتى يصير المطموع فيه كأنه معبود، فلا يزال يتفكر في حيلة التودد والتحبب إليه ويدخل كل مدخل للوصول إلي ذلك. وأقل أحواله الثناء عليه بما ليس فيه والمداهنة معه بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
وأنشدوا:
إذا شئت أن تحيا عزيزًا فلا تكن علي حالة إلا رضيت بدونها
فمن طمع أن تكون قلوب الناس عليه طيبة، وألسنتهم بالثناء مطلقة، وصلاتهم له مشرقة، لم يتمكن من الأمر بالمعروف ولا من النهي عن المنكر لذلته وهوانه.
وأنشدوا:
يذل النفس من طمع لديه وفي الطمع المذلة للرقاب
قال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني- قدس الله روحه- يا غلام أنت أخو العزة، ما التحفت برداء القناعة، ومحبوب (الرب) ما التزمت بمفروض الطاعة.
[ ٣٢٤ ]
وذكر الحافظ عبد الغني- عن عبد الله بن محمد الباهلي، قال: جاء رجل إلي سفيان الثوري فقال: إني أريد الحج فقال: لا تصحب من يتكرم عليك، ساويته أضر بك، وإن تفضل عللك استذلك.
ولبعصهم:
أطعت مطامعًا فأفدت ذلًا وخير من تذلك القنوع
فمن طمع ف الخلق لم يخل من الذل والخيبة. وإن وصل إلي المراد لم يخل عن المنة والمهانة.
فكيف تتعلق يا عبد الله برجاء كاذب، ووهم فاسد؟ قد يصيب وقد تخطئ، فإذا أصاب فلا تقي لذاته بألم منته ومذلته.
ولبعضهم:
أزلت مطامعي وأرحت نفسي فإن النفس ما طمعت تهون
فمن لم يكن متورعًا عما في أيدي الناس ومتورعًا في أمره ونهيه عن الميل إلي الهوى فإن كلامه لا يصير مقبولًا. والناس يهزؤن به إذا أنكر عليهم وربما أورث ذلك جرأة عليه من المأمور. كما سيأتي في وضعه- من الباب الخامس- والله أعلم.