قال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام: (من فعل واجبًا متعديًا أو مندوبًا متعديًا، أو اجتنب محرمًا أو مكروهًا متعديين فقال قام بحق نفسه، وحق ربه، وحق من تعدي إليه ذلك. والقرآن مشحون بالترغيب في هذا النوع.
ثم قال - في مكان آخر - كل مطيع لله محسن إلى نفسه فإن كان إحسانه متعديًا إلى غيره تعدد أجره بتعدد من تعلق به إحسانه وكان أجره على ذلك مختلفًا باختلاف ما تسبب إليه من جلب المصالح ودرء المفاسد، فإن كان إمامًا فهو محسن إلى نفسه، وإلى كل من تعلق به إحسانه من رعيته وأعوانه وأنصاره وولاته وقضاته، وإن كان حاكمًا فهو محسن إلى نفسه بطاعة ربه، وإلى المدعو إن كانت له حجة فقد نصره بإيصال حقه إليه، وإلى المدعى
[ ١٢١ ]
عليه طالما يتخلص خصمه من ظلمه، والمدعي مظلومًا. وإن كان الأمر بالعكس فقد نصر المدعي عليه مظلومًا، والمدعي ظالمًا.
وإن كان شاهدًا فهو محسن إلى نفسه، وإلى الخصمين بالتحمل والأداء، لأنه متسبب إلى نصر الظالم والمظلوم.
وإن كان مفتيًا فهو محسن إلى نفسه وإلى المستفتي وإلى المستفتى عليه، وإلى غير ذلك من جميع أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثم قال رحمه الله تعالى في مكان آخر: (وإن قدر على الجمع بين الأمر بمعروفين في وقت واحد لزمه ذلك، لوجوب الجمع بين المصلحتين. وإن تعذر الجمع بينهما لزمه الأمر بأفضلهما - لما ذكرناه من تقديم أفضل المصلحتين على أدناهما.
مثال: الجمع بين الأمر بمعروفين فما زاد مثل أن يرى جماعة قد تركوا الصلاة المفروضة حتى ضاق وقتها بغير عذر. فيقول لهم بكلمة واحدة: صلوا أو قوموا إلى الصلاة، فإن أمر كل واحد منهم واجب على الفور. وكذلك تعليم ما يجب تعليمه، وتفهيم ما يجب تفهيمه باختلاف رتبه وهذان قسمان:
أحدهما: وسيلة إلى ما هو مقصود في نفسه كتعريف التوحيد، وصفات الإله، فإن معرفة ذلك من أفضل المقاصد والتوسل إليه من أفضل الوسائل.
القسم الثاني: ما هو وسيلة إلى وسيلة، كتعليم أحكام الشرع، فإنه وسيلة إلى العلم بالأحكام التي هي وسيلة إلى إقامة الطاعات، التي هي وسائل إلى المثوبات والرضوان، وكلاهما من أفضل المقاصد).
(ومن قدر على الجمع بين درء أعظم الفعلين مفسدة ودرء أدناهما مفسدة جمع بينهما لما ذكرناه من وجوب الجمع بين درء المفاسد: مثل أن ينهى عن منكرين متفاوتين أو متساويين فما زاد بكلمة واحدة.
مثال المنكرين المتفاوتين: أن يرى إنسانًا يقتل رجلًا، وآخر يسلب مال إنسان فيقول لهما كفَّا عمَّا تصنعان.
ومثال المتساويين: أن يرى اثنين قد اجتمعا على قتل إنسان أو سلب ماله فيقول لهما كفا عن قتله أو سلبه. وكذلك يقول للجماعة: كفوا عما تصنعون. وإن قدر على دفع
[ ١٢٢ ]
المنكرين دفعة واحدة لزمه ذلك بكلمة واحدة.
وإن قدر على دفع أحدهما دفع الأفسد فالأفسد والأرذل فالأرذل سواء قدر على دفع ذلك بيده أو بلسانه: مثل أن يتمكن الغازي من قتل واحد من المشركين بسهم ومن قتل عشرة برمية واحدة تنفذ في جميعهم فإنه يقدم رمي العشرة على رمي الواحد، إلا أن يكون الواحد بطلًا عظيم النكاية في الإسلام حسن التدبير في الحروب فيبدأ برميه؛ دفعًا لمفسدة بقائه، لأنها أعظم من مفسدة بقاء العشرة.
وكذلك لو قدر على أن يفتح فوهة النار أولى من قتل المائة، لما فيه من عظم المصلحة، فإن كان فتح الفوهة أخف من قتل المائة بالسلاح.
وكذلك تتفاوت كراهة المنكر بالقلوب - عند العجز - عن إنكاره باليد واللسان - بتفاوت رتبة فتكون كراهة الأقبح أعظم من كراهة ما دونه. والله أعلم).