وأما الدرجة السابعة: فهي مباشرة الضرب باليد والرجل وغير ذلك مما ليس فيه شهر سلاح وذلك جائز للآحاد بشرط الضرورة والاقتصار على قدر المنكر. فينبغي أن يكف فإن احتاج إلى إشهار سلاح وكان في قدرته دفع المنكر بشهر السلاح وبالحرج فإن له أن يتعاطى ذلك.
كما لو قبض فاسق مثلًا على امرأة أو كان يضرب بمزمار مثلًا وبينه وبين الآمر نهر حائل أو جدار مانع فيأخذ قوسه ويقول له: خل عنها أو لأرمينك فإن لم يخل عنها فله أن يرميه. وينبغي أن لا يقصد المقتل بل الساق والفخذ وما أشبهه. ويراعى في ذلك كله التدريج، وكذلك يسل سيفه ويقول: اترك هذا المنكر أو لأضربنك، فكل هذا دفع للمنكر. ودفعه واجب بكل ممكن ولا فرق في ذلك بين ما يتعلق بخاص حق الله وما يتعلق بالأدميين.
فقال أبو حامد: فإن قيل: فلو قصد الإنسان قطع طرف من نفسه وكان لا يمتنع عن ذلك إلا بالقتال ربما يؤدي إلى قتله فهل تقاتله عليه؟ فان قلتم: يقاتل فهو محال، لأنه إهلاك نفس خوفًا من إهلاك طرف وفي إهلاك النفس إهلاك الطرف - أيضًا - قلنا يمنعه عنه ويقاتله، إذ ليس غرضًا في حفظ نفسه وطرفه بل الغرض حسم سبل المنكرات والمعاصي،
[ ٢٦٢ ]
وقتله في الإنكار ليسر معصية. وقطع طرف نفسه معصية، وذلك كدفع الصائل على المسلم بما يأتي على نفسه، فإنه جائز لا على معنى أن التعدي على درهم من مال مسلم يعدل روح مسلم، فإن ذلك محال ولكن لأن قصد أخذ مال المسلم معصية ومثله في الدفع عن المعصية معصية وإنما المقصود دفع المعاصي.
فإن قيل: فلو علمنا أنه لو خلا بنفسه لقطع طرف نفسه فلينبغي أن يقتله في الحال؛ حسمًا لباب المعصية: قلنا: ذلك لا يعلم يقينًا ولا يجوز سفك دمه بتوهم معصية ولكننا إذا رأيناه في حالة مباشرة القطع دفعناه، فإن قاتلنا قاتلناه ولم نيال ما يأتي على روحه، وقالت المعتزلة: ما لا يتعلق بالآدميين فلا، إنكار فيه إلاّ بالكلام أو بالضرب لكن للإمام لا للآحاد.
قال بعض العلماء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على العوام من الناس. وهذا قول ضعيف؛ فإن الأمر والاستطاعة عامان في حديث طارق بن شهاب السالف في الباب الأول وغيره ولا وجه للتخصيص والله أعلم.