وأما كون السالكين طريق الحق الآمرين به بين أهل الفساد من الغرباء المكروهين. فقد روى مسلم في صحيحه، وابن ماجه من حديث أبي حازم واسمه سليمان الأشجعي، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ قال: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء).
[ ٢٨٣ ]
قوله: (بدا) بلا همز بمعنى ظهر. وإذا كان بمعنى البداءة كان مهموزًا.
وروى مسلم - أيضًا - من حديث عبد الله بن عمر. ﵄ - عن النبي ﷺ قال: (إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ) الحديث.
ورواه الإمام أحمد وابن ماجه أيضًا من حديث ابن مسعود بزيادة في آخره وهي قيل: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: "النزاع من القبائل"
ورواه ابن ماجه - أيضًا - من حديث أنس مرفوعًا. قال: (إن الإسلام بدأ، وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء).
ورواه الترمذي- في جامعه - من حديث كثير بن عبد الله، عن عوف المزني، عن أبيه، عن جده - ﵁ - عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الدين بدأ غريبًا، ويرجع غريبًا فطوبى للغرباء، وهم الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي).
ورواه أبو القاسم الطبراني من حديث جابر - ﵁ - عن النبي ﷺ وفي حديثه. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: (الذين يصلحون ما أفسد الناس).
ورواه الإمام أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁: عن النبي ﷺ (فطوبى - يومئذ - للغرباء إذا فسد "الناس".
[ ٢٨٤ ]
وروى الإمام أحمد - أيضًا - من حديث المطلب بن حنطب مرسلًا: طوبى للغرباء قال يا رسول الله من الغرباء؟ قال: (يزيدون إذا نقص الناس) وحنطب بفتح الحاء المهملة، وسكون النون، وفتح الطاء المهملة والله أعلم.
وروى الطبراني - في الكبير- من حديث أبي الدرداء، وأبي أمامة، وواثلة بن الأسقع، وأنس. قالوا: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتمارى في شيء من أمور الدين. فذكر الحديث إلى أن قال: (إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا) قالوا: يا رسول الله، من الغرباء؟ قال: (الذين يصلحون إذا فسد الناس، ولم يتماروا في دين الله، ولا يكفروا أحدًا من دين التوحيد بذنب).
وروى الإمام أحمد-أيضًا- والطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - عن النبي ﷺ أنه قال: (طوبى للغرباء) قلنا: وما الغرباء؟ قال: (قوم صالحون قليل في ناس سوء كثير من يعصهم أكثر ممن يطيعهم).
وفي رواية: (من يبغضهم أكثر ممن يحبهم).
قوله ﷺ: (بدأ الإسلام غريبًا) (بدأ) معناه في آحاد من الناس وقلة، ثم انتشروا وظهر، ثم يلحقه النقص والاختلال حتى لا يبقى إلا في آحاد من الناس وقلة-أيضًا -كما بدأ.
و(طوبى) يعني من الطيب، ومعناه: نوح وقرة عين. وقيل: نعم ما لهم. وقيل: غبطة لهم. وقيل: خير لهم وكرامة. وقيل: الجنة.
وأما (الغرباء) فقد جاء تفسيرهم في هذه الأحاديث: (وهم النزع من القبائل) يعني الذين قلوا فلا يوجد في كل قبيلة منهم إلا الواحد والإثنان، وقد لا يوجد في القبائل والبلدان منهم أحد -كما كان في أول الإسلام. وفي الحديث المتقدم (الذين يصلحون إذا فسد الناس) يعني هم قوم صالحون عاملون بالسنة في زمن الفساد وفي حديث أخر: (الذين يصلحون ما أفسده الناس) يعني من السنة. وفي رواية: (المتمسكون بما أنتم عليه اليوم).
وفي الحديث الأخر: (الذين يزيدون إذا نقص الناس) يعني يزيدون خيرًا وإيمانًا وتقى إذا نقص الناس.
[ ٢٨٥ ]
فهؤلاء الغرباء الممدوحون المغبوطون، ولقلتهم في الناس -جدًا- سموا غرباء، فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات، فأهل الاسلام - في الناس - غرباء، وأهل الايمان- في المسلمين - غرباء والعلماء في المؤمنين غرباء، وأهل السنة - الذين تميزوا بها بين أهل الأهواء والبدع - غرباء، والداعون إليها، الصابرون على أذى المخالفين لهم غرباء، ولكن هم أهل الله حقًا، والداعون إليه صدقًا. وأنشدوا:
يا من شكى شجوه من طول غربته اصبر لعلك تلقى من نحب غدا
وفي جامع الترمذي من حديث أنس بن مالك - ﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: (يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر).
ولبعضهم:
هذا زمان كنا نحاذره في قول كعب وفي قول ابن مسعود
إن دام هذا ولم يحدث له غبر لم يبك ميت ولم يفرح بمولود
وهؤلاء الغرباء قسمان: أحدهما من يصلح بنفسه عند فساد الناس. والثاني: من يصلح ما أفسد الناس من السنة وهو على القسمين.
قال عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي - ﵀-: أما أنه ما يذهب الإسلام، ولكن يذهب أهل السنة، حتى لا يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد أو رجلان. وهذا كما قال عبد الله بن المبارك- قدس الله روحه- منشدًا:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزكي بعضهم بعضًا ليدفع مغور عن مغور
قال عبد الواحد بن زيد البغدادي: مررت براهب في صومعة له. فقلت: يا راهب كيف تكون الغربة؟ قال: يا فتى ليس الغريب من مشى من بلد إلى بلد، ولكن الغريب صالح بين فساق.
وقال الفضيل بن عياض: من كان بطاعته من الله قريبًا، كان في الأرض من الخلق غريبًا. وقال يونس بن عبيد - ﵀-: ليس شيء أعزب من السنة، وأغرب منها من يعرفها، ويحك أتسكن إلى العافية، وتساكن العيشة الصافية، ولا بد من فراق العيش الرطيب
[ ٢٨٦ ]
فاحضر قلبك، إنما أنت - في الدنيا - غريب.
كان الحسن البصري يقول: يا أهل السنة توقفوا رحمكم الله، فإنكم من أقل الناس.
والمراد بالسنة: طريقة النبي ﷺ وطريقة أصحابه وهي عبارة عما يسلم من الشبهات في الاعتقادات، ومسائل الإيمان، ومسائل القدر وغير ذلك. وكذلك القائمون بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهؤلاء هم أقل الناس في أخر الزمان، ولذلك وصفوا بالغربة، لقلتهم كما سبق في بعض الروايات: قوم ممالحون قليل في قوم سوء كثير من يعصهم أكثر ممن يطيعهم.
قال أبو الفرج ابن الجوزي عبد الرحمن - ﵀-: ففي هذا إشارة إلى قلتهم، وقلة المستجيبين لهم. والقابلين منهم وكثرة المخالفين والعامين لأمرهم. انتهى.
فالغربة - عند أهل الطريق - غربتان: ظاهرة، وباطنة، فالظاهرة نوعان:
الأول: غربة الحال، وليس لنا- بذكرها في هذا الموطن - كثير فائدة.
والثاني: هي التي نحن بصددها- غربة الحال، والحال ها هو الوصف القائم به المؤمن من الدين، والمسك بالسنة وهي غربة أهل الملاح بين الفساق. وغربة الصادقين بين أهل الرياء والنفاق. وغربة العلماء بين أهل الجهل وسوء الأخلاق. وغربة علماء الآخرة بين علماء الدنيا الذين سلبوا الخشية والإشفاق. وغربة الزاهدين بين الراغبين في كل ما يفد وليس بباق.
وأما الغربة الباطنة: فغربة الهمة وهي غربة العارف بين الخلق كلهم حتى العلماء والعباد والزهاد، فإن أولئك واقفون مع علمهم وعبادتهم وزهدهم، وهؤلاء واقفون مع معبودهم لا يعرجون بقلوبهم عنه.
قال يحيى بن معاذ: الزاهد غريب الدنيا، والعارف غريب الأخرة، يعني أن الزاهد غريب بين أهل الدنيا، والعارف غريب بين أهل الأخرة، لا يعرفه العباد ولا الزهاد وإنما يعرفها من هو مثله، وهمته كهمته.
فالغربة - حينئذ- ثلاثة أنواع: الأولى: غربة الأبدان، والثانية: غربة الأفعال، والثالثة: (غربة الهمم) .. والله أعلم.
وهذا الفضل العظيم الموعود به لأهل الغربة، وإنما هو لرغبتهم بين الناس، والتمسك بالسنة بين ظلم أهوائهم فإذا أراد المؤمن الذي رزقه الله بصيرة في دينه، وفقهًا في سنة رسول
[ ٢٨٧ ]
الله ﷺ وفهمًا في كتابه وأراه ما الناس فيه من الأهواء والباع والضلالات، وتنكبهم عن الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه. فإذا أراد أن يسلك هذا الصراط فليوطن نغمه على قدح الجهال وأهل البدع وطعنهم فيه، وازدرائهم به، وتغير الناس وتحذيرهم منه، كما كان الكفار يفعلون مع متبوعهم وإمامهم، فإن دعاهم إلى ذلك قدح ما هم عليه من المنكر، فهناك تقوم قيامتهم، وينصبون لهم الحبائل ويجلبون عليهم بخيلهم ورجلهم، فهو غريب في دينه، لفساد أديانهم، غريب في تمسكه بالسنة، لتمسكهم بالبدع، غريب في اعتقاده، لفاد عقائدهم، غريب في طريقه، لفساد طريقهم، غريب في معاشرته لهم، لأنه لا يعاشرهم على ما تهوى انفسهم.
وبالجملة، فهو غريب في أمور دنياه وآخرته لا يجد مساعدًا معينًا، فهو عالم بين قوم جهال، صاحب سنة بين أهل البدع، دع إلى الله ورسوله بين دعاة إلى الأهواء والبدع آمر بالمعروف ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم المنكر والمنكر المعروف.