وقد جاء ذم الغضب والمنع منه في غير ما حديث.
فمن ذلك: ما روى الطبراني في المعجم الكبير، والبيهقي في الشعب من رواية بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده مرفوعًا " (إن) الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل".
وفي جامع الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا "الغضب جمرة في القلب".
وروى البخاري، ومالك، وأحمد، والترمذي، وغيرهم من حديث أبي هريرة -﵁- أن رجلًا قال لرسول الله - ﷺ -: (أوصني ولا تكثر علي)، أو قال: مرني بأمر وأقلله لي، كي لا أنساه. قال: "لا تغضب".
وفي رواية البخاري، والترمذي: مرني بأمر وأقلله علي، كي أعقله، قال: "لا تغضب" فردد مرارًا. قال: "لا تغضب".
[ ٣٣٤ ]
الرجل المبهم السائل هو جارية بن قدامة. وقيل: أبو الدرداء، أو عبد الله بن عمر أو سفيان بن عبد الله الثقفي.
وهذا الرجل طلب من النبي - ﷺ - أن يوصيه وصية وجيزة جامعة لخصال الخير، ليحفظها عنه فوصاه أن لا يغضب ثم ردد هذه المسألة عليه مرارًا والنبي - ﷺ - يردد عليه هذا الجواب.
وهذا الحديث يدل على أن الغضب جماع الشر، وأن التحرز منه جماع الخير.
وقد روى الإمام أحمد من حديث الزهري، عن حميد عبدالرحمن عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: قلت يا رسول الله أوصني قال: (لا تغضب).
قال الرجل: تفكرت حين قال النبي ما قال: فإذا الغضب يجمع الشر كله.
ورواه مالك- في الموطأ عن الزهري، عن حميد مرسلًا.
(وروى أبو القاسم الطبراني -في مكارم الأخلاق- وأبو عمر بن عبدالبر -في التمهيد- بإسناد حسن، عن عبدالله بن عمرو بن العاص -﵄- قال: سأل جل رسول الله - ﷺ - ما يبعدني من غضب الله؟ قال: "لا تغضب". ورواه أحمد بن حيان -في صحيحه-: وعندهما أن عبدالله بن عمرو هو السائل.
فنهيه - ﷺ - عن الغضب لا سيما وقد ردده مرارًا دليل على دخوله تحت الوسع، وإلا لم ينه عن المحال. وعلى عظم مفسدته وما ينشأ منه. والله أعلم.
وقال جعفر بن محمد: (الغضب مفتاح كل شر. وقيل لعبد الله بن المبارك: اجمع لنا حسن الخلق في كلمة).
قال: ترك الغضب.
فقوله - ﷺ - للذي استوصاه: (لا تغضب) يحتمل أمرين:
أحدهما أن يكون مراده الأمر بالأسباب التي توجب حسن الخلق من الكرم والشجاعة والحلم والحياء والتواضع والاحتمال وكف الأذى والصفح والعفو وكظم الغيظ والطلاقة
[ ٣٣٥ ]
والبشر ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة، فإن النفس إذا تخلقت بهذه الأخلاق وصارت لها عادة، أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه.
والثاني: أن يكون المراد لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك وجاهد نفسك على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به، فإن الغضب إذا ملك ابن آدم كان كالآمر الناهي له، ولهذا المعنى قال الله ﷿: ﴿ولما سكت عن موسى الغضب ﴾.
فإذا لم يمسك الإنسان ما يأمره به غضبه، وجاهد نفسه على ذلك اندفع عنه شر الغضب وربما يمكن غضبه ويذهب عاجلًا فكأنه -حينئذ- لم يغضب.
قال ابن رجب: وإلى هذا وقعت الإشارة إليه في القرآن (في) قوله -تعالى: ﴿وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾.
وقوله: ﴿ والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾.
والغيظ: الغضب. وقيل: أشد. وقيل: أوله. غاظه يغيظه فاغتاظ وغيظه يغيظه وأغاظه وغايظه.
وكظم الغيظ رده في الجوف. يقال: كظم غيظه أي سكت عليه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه. والغيظ أصل الغضب وهو نتيجته وكثيرًا ما يتلازمان لكن الفرق بينهما أن الغيظ لا يظهر على الجوارح بخلاف الغضب فإنه يظهر من باطن الإنسان إلى ظاهره والله أعلم.