ومن هؤلاء من يقول: من نظر إلى الناس بعين العلم مقتهم ومن نظرهم بعين الحقيقة عذرهم كما قال بعضهم: العالم ينشقك الخل والخردل، والعارف ينشقك المسك والعنبر.
قال العلامة شمس (الدين) محمد بن القيم -﵀-: ومعنى هذا أنك مع العالم في تعب، ومع العارف في راحة، لأن العارف يبسط عذر الخلائق، والعالم يلوم فانظر إلى ما تضمنه هذا الكلام الذي ملمسه ناعم وسمه قاتل من الإنحلال عن الدين والراحة من أحكام العبودية وعذر اليهود والنصارى وعباد الأوثان والظلمة والفجرة، وأن أحكام الأمر والنهي الواردين على ألسنة الرسل للقلوب بمنزلة من يعطي الخل والخردل، وأن شهود الحقيقة الكونية الشاملة للخلائق والوقوف معها والإنقياد لحكمها بمنزلة تنشيق المسك والعنبرة فليهن الكفار والفجار والفساق انتشاق هذا المسك والعنبر إذا شهدوا هذه الحقيقة وانقادوا لحكمها، ويا تعس الأبرار المحكومين لما جاء به الرسول من كثرة سعوطهم بالخل والخردل، فإن قول العالم هذا يجوز وذا لا يجوز وهذا حلال وهذا حرام وهذا يرضي الله وهذا يسخطه حل عند هؤلاء الملاحدة وإلاّ قالحقيقة تشهدك الأمر بخلاف ذلك، وكذلك إذا نظرت عندهم إلى العالم بعين الحقيقة عذرت الجميع فتعذر من لامه الله ورسوله أعظم العلامة. ويا لله العجب إذا كانوا معذورين في الحقيقة فكيف يعذب الله -سبحانه- المعذور ويذيقه أشد العذاب، وهلا كان الغني الرحيم أولى بعذره من هؤلاء؟ ! نعم العالم يلوم بأمر الله، والعارف يرحم بقدر الله ولا يتنافى عنده اللوم والرحمة. ومن رحمته عقوبة من أمر الله بعقوبته وذلك رحمة له وللأمة وترك عقوبته زيادة في أذاه وأذى غيره، وأنت مع العالم في تعب يعقبه كل راحة ومع عارف هؤلاء في راحة يعقبها كل تعب وألم.
ثم قال ﵀في مكان-: كلهم محجوبون وعن الظفر بالمطلب الأعلى
[ ١٦٨ ]
مصدودون قد قيدتهم العوائد والرسوم والأوضاع والاصطلاحات عن تجريد المتابعة فأصبحوا عنها بمعزل ومنزلتهم منها أبعد منزل فترى أحدهم يتقيد بالرياضة والخلوة وتفريغ القلب ويعد العلم قاطعًا له عن الطريق فإذا ذكر له الجهاد كان أشد نفورًا عنه فإذا ذكرت له الموالاة في الله والمعاداة فيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عدَّ ذلك فضولًا وشرًا وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك أخرجوه من بينهم، وعدوه غبرًا عليهم فهؤلاء أبعد الناس عن الله وإن كانوا أكثرهم إشارة إليه. انتهى ما قاله القيم.
وقد سبق قبل فصل (الاختلاط بالناس) تغليظ بعض المتحرفين البطالين القائلين: إنّ المعاصي والفجور وغير ذلك من القبائح الظاهرة والباطنة من قضاء الله وقدره وأنه يجب الرضا به، وعدم التعرض إلى فاعله بقول أو فعل ولو بالكراهة فتلبس عليهم ذلك حتى رأوا أن السكوت عن المنكر (مقام) من مقامات الرضا. وسموه حسن خلق وسيأتي في أول الباب الثاني قول الغزالي: العجب من قول الرافضة لا يجوز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لم يخرج الإمام المعصوم وهو الإمام الحق عندهم. وهؤلاء أخس (رتبة من أن) يكلموا بل جوابهم أن يقال لهم إذا جاءوا إلى القضاة (طالبين) لحقوقهم في دمائهم وأموالهم: إن نصركم أمر بالمعروف واستخراج حقوقكم من يد من ظلمكم نهي عن المنكر وطلبكم بحقكم من جملة المعروف. وما هذا زمن النهي عن الظلم وطلب الحقوق، لأن الإمام الحق لم يخرج بعد.