روى الإمام أبو بكر بن أبي الدنيا بسنده، عن أبي المنذر إسماعيل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الرحمن العمري يقول: إن من غفلتك عن نفسك إعراضك عن الله -﷿- بأن ترى ما يسخطه فتجاوزه لا تأمر فيه ولا تنهى، خوف ممن لا يملك لك ضرًا ولا نفعًا.
وسمعته يقول: من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مخالفة المخلوقين، أو رغبة في نفعهم نزعت منه هيبة الطاعة، حتى لو أمر ولده وبعض أهله لاستخفوا به.
[ ١٦٩ ]
قال أبو الحسن المارودي -في الأحكام السلطانية-: وأعلم أن هذا الباب- أعني الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر، قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة ولم يتبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدًا، وهو باب عظيم به قوام الدين وملاكه، وإذا أكثر الخبث عمر البلاء والعقاب الصالح والطالح. ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾.
وقال أبو زكريا النواوي -رحمه (الله) - ولا ينبغي أن تبارك أحدًا في حال معصيته لصداقته ومودته ومداهنته وطلب الوجاهة عنده ودوام المنزلة (لديه)، فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقًا، ومن حقه أن ينصحه ويهديه إلى مصالح آخرته وينقذه من مضارها، فصديق الإنسان ومحبه هو الذي يسعى في عماره آخرته، وإن أدى ذلك إلى نقص في دنياه، وعدوه من يسعى في نقصان آخرته وإن حصل بذلك نفع في دنياه. وإنما كان "إبليس" عدو لهذا المعنى وكانت الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- أولياء للمؤمنين لسعيهم في مصالح آخرتهم وهدايتهم إلى كل خير. انتهى.
قد روى الترمذي: وأبو الشيخ بن حيان من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إن أحدكم مرآة أخيه فإن رأى منه أذى فليمطه عنه).
ورواه أبو داود بلفظ: (المؤمن مرآة المؤمن).
قال العراقي: إسناده جيد.
فالمعنى، أنه يرى منه ما لا يرى من نفسه فيستفيد المرء من أخيه معرفة عيوب نفسه، فلو انفرد لم ستفد كما يستفيد بالمرآة (في) الوقوف على عيوب صورته الظاهرة. والله أعلم.
وروي البيهقي بسنده عن أبي البحتري سعيد بن فيروز قال: قال سلمان -رضي الله
[ ١٧٠ ]
عنه-: (المؤمن للمؤمن كاليدين تنقي إحداهما الأخرى) وروى أبو منصور الديلمي -في مسند الفردوس من حديث أنس مرفوعًا: (مثل الأخوين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى).
ورواه -الحافظ ابن مردويه- في الأمثال- من حديث علي -﵁- قال المحققون: إنما شيههما باليدين لا باليد والرجل، لأنهما يتعاونان على غرض واحد، فكذا الإخوان إنما ثمر أخوتهما إذا توافقا في مقصد واحد، فهما من وجه كالشخص الواحد. والله أعلم.