ثم يتأكد الذم والوعيد لمن أهان الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وصدهم عن ذلك.
لقوله -تعالى- ﴿إن الذين يكفرون بئايت الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس قبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين﴾ فذكر -سبحانه- الذين يأمرون بالقسط من الناس بعد الأنبياء في الترتيب لأنهم أتباع الرسل وخلفاؤهم فإن الله -تعالى- ما بعث نبيًا إلا ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وما ينزل عيسى من السماء إلا ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وذلك وظيفة الأنبياء وشعار الأتقياء.
وقد روى الشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي -في كتاب الحجة- من طريق بقية بن الوليد، عن عبد الله بن نعيم، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان مولى النبي -ﷺ-
قال: قال رسول الله -ﷺ-: (من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة كتابه ورسوله قال العلماء وإنما كان ذلك لأن الأنبياء -صلوات الله عليهم- بعثوا بإنكار المنكرات وتغييرها، وتلك وظيفتهم التي جاءوا بها فمن تبعهم وأنكر كان نائبًا عنهم في هذا الأمر العظيم، ومنزلته على منزلتهم من أجل ذلك هذا الخطب الجسيم).
كما قال الحسن -رحمة الله عليه- تدل هذه الآية على أن القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تلي منزلته منزلة الأنبياء في العظم فلذا جاء توبيخ من عاندهم في هذه
[ ١٧١ ]
الآية الكريمة. فلما تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا والعذاب المهين في الآخرة فقال: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ أي موجع مهين.
وقال بعض العارفين: معنى الآية: أن الذين ربطناهم بالخذلان ووسعناهم بوصف الحرمان -أخبرهم بأن إعراضنا عنهم ﴿مؤبد﴾، وأن حكمنا سبق بنقلهم من دار الجنان إلى دار الهوان، من الخذلان والحرمان، إلى دار العقوبة والنيران.
ثم قال: ﴿أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ومالهم من ناصرين﴾ يعني ليس (لهم) -اليوم- توفيق بأعمالهم، ولا غدا تحقيق لآمالهم، وإنما ذلك لأنهم فقدوا في الدارين نصرتنا، ولم يشهدوا عزتنا وقدرتنا.
وقال في آخر هذه الآيات: ﴿فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه﴾ أي كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله، وكذبوا رسله، وقتلوا أنبياءه والعلماء من قومهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والله مقابلهم على ذلك كله، ومحاسبهم عليه ومجازيهم به -سبحانه- وروى علي بن سعد في -كتاب الطاعة والمعصية- من حديث الحسن البصري مرسلًا: (بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وبئس القوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، وبئس القوم قوم يمشي المؤمن بينهم بالنميمة).
وقد سبق طرف منه من رواية جابر مرفوعًا.
وروى الحافظ أبو يوسف يعقوب بن أبي شيبة -في مسنده- من حديث أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح -﵁- قال: قلت: يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله -﷿-؟ قال: رجل قام إلى وال جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله فإن لم يقتله فإن القلم لا يجري عليه بعد ذلك وإن عاش ما عاش قال: قلت: يا رسول الله فأي الناس أشد عذابًا يوم القيامة؟ قال: (رجل قتل نبيًا أو رجلًا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر) ثم قرأ رسول -الله-: ﴿ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم﴾ ثم قال: (يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيًا من أول
[ ١٧٢ ]
النهار في ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلًا من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعًا من آخر النهار في ذلك اليوم وهم الذين ذكر الله -﷿- قصتهم-) ورواه الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم بسنده، عن أبي عبيدة -أيضًا- قال: قلت: يا رسول الله- أي الناس (أِد) عذابًا يوم القيامة؟ قال: (رجل قتل نبيًا أو أمر بالمنكر ونهى عن المعروف) فذكر نحوه. وكذلك رواه محمد بن جرير الطبري، وغيره.
وفي الآية الكريمة: دليل صريح على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبًا في الأمم المتقدمة، إذ هو فائدة الرسالة. والله أعلم.
وروى الشيخ عبد الله بن محمد بن حيان من حديث جابر بن (عبد) الله -﵄- قال: خطبنا رسول الله -ﷺ- فقال في خطبته: (يا أيها الناس إنه لا ينبغي لأولياء الله من أهل دار الخلوة الذين لها سعيهم وفيها رغبتهم أن يكونوا أولياء الشيطان للذين من أهل دار الغرور الذين لها سعيهم وفيها رغبتهم).
هم أشد لها اتباعًا وتعظيمًا لأمورهم أولياء الله في زيهم وفي دينهم فبئس القوم لا يدينون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبئس القوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، وبئس القوم قوم يخيفون من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر. وبئس القوم قوم لا يقومون لله بالقسط وبئس القوم قوم يعمل فيهم المعاصي ثم لا يغيرون. فويل للذين يجاهرون بالمعاصي ويستحلون المحارم والشبهات والشهوات. فقيل: يا رسول الله- أي الناس أكبس؟ قال الذين سوء الحساب والمقايسة بالأعمال إذا بعث الناس يوم القيامة بعثوا في ظلمة إلا من جعل الله (له) نورًا فنوره يسعى بين يديه فيأخذ به. ﴿وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين﴾.
وروى ابن أبي الدنيا -بسنده- عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال: -ﷺ-: أتدرون (ممن) الخوف على أمتي من بعدي رجل فاجر ولي أمرهم فعمل بغير ما أنزل الله وأعانه على ذلك أهل الجفاء والفجور (ففرق ملأهم) وأخافهم أن يقوموا بالحق.
[ ١٧٣ ]