فإن قيل: من أمر السلطان الجائر بالمعروف، ونهاه عن المنكر. أو قال عنده كلمة حق لاسيما في زماننا هذا - فقد عرض نفسه للتهلكة؟ قيل: (لا خلاف أن المسلم يجوز له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل إذا كان فيه قوة وإن علم أنه يقتل).
قال أبو العباس ابن تيمية: نص الأئمة الأربعة على ذلك ودليلهم من الكتاب والسنة.
أما الكتاب: فقوله - تعالى -﴾ ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد ﴿.
وقد ذكر أن سبب نزول هذه الآية: أن "صهيبا خرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة، إلى النبي - ﷺ - فلحقه المشركون وهو وحده فنشل كنانته وقال: والله لا يأتي منكم أحد إلاّ رميته، فأراد قتالهم وحده وقال: إن أحببتم أن تأخذوا (مالي) فخذوه وأنا أدلكم عليه. ثم قدم على النبي - ﷺ -: (ربح البيع أبا يحيي).
قوله: (فنشل كنانته) - بنون ومثلثة - أب استخراج ما فيها من النبل. وروى الإمام أحمد - بإسناده - أن رجلًا حمل وحده على العدو فقال الناس: ألقى بنفسه إلى التهلكة. فقال عمر - ﵁ -: كلا بل هذا ممن قال الله (فيهم):﴾ ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد ﴿وقد بين سبحانه - في كتابه العزيز - أن ما يوجبه الجبن من الفرار هو من الكبائر الموجبة النار. فقال - تعالى -﴾ يا أيها الذين أمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذٍ دبره إلا متحرفًا لقتالٍ أو متحيزًا إلى فئةٍ فقد باء بغضبٍ من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ﴿.
وأخبر أن الذين يخافون العدو خوفًا يمنعهم من الجهاد منافقون.
[ ١٩٥ ]
فقال:﴾ ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قومٌ يفرقون ﴿وعدَّ النبي - ﷺ - الفرار من الزحف من الكبائر.
وأما دلائل السنة فمن وجوه كثيرة:
منها: أن المسلمين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر وكان عدوهم بقدرهم ثلاث مرات وأكثر. وبدر أعظم الغزوات.
فعلم أن القوم يشرع لهم أن يقاتلوا من يزيدون على ضعفهم ولا فرق بين الواحد والعدد (ومنها: أن المسلمين يوم أحد كانوا نحوًا من ربع العدو، فإن العدو كانوا ثلاثة آلاف أو نحوها وكان المسلمون سبعمائة أو قريبًا منها).
ومنها: أن المسلمين يوم الخندق كان العدو بقدرهم مرات، فإن العدو كانوا أكثر من عشرة آلاف وهم الأحزاب الذين تحزبوا عليهم من قريش وحلفائها، وبني قريظة وغيرهم وكان المسلمون - بالمدينة - دون الألفين. و- أيضًا - فقد كان الرجل وحده على عهد النبي - ﷺ -: يحمل على العدو بمرأى من النبي - ﷺ - وينغمس فيهم ويقاتل حتى يقتل. وهذا كان مشهورًا بين المسلمين على عهد النبي - ﷺ - وخلفائه.