وإنما عظم ذل المؤمن في آخر الزمان لكثرة الفسق وغربته بين أهله فكلهم يكرهه ويؤذيه، لمخالفة طريقه لطريقهم ومباينته لهم فيما هم عليه لا سيما إن أمرهم بمعروف أو نهاهم عن منكر. كما قال حذيفة بن اليمان - ﵁-: (يآتي على الناس زمان تكون فيه جيفة حمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم وينهاهم. وقال كعب الأحبار، لأبي مسلم الخولاني: كيف منزلتك من قومك؟ قال حسنة. قال: إن التوراة لتقول غير ذلك. قال: ما تقول؟ قال: إن الرجل إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ساءت منزلته (عند)
[ ٢٩٤ ]
قومه. فقال أبو مسلم: صدقت التوراة، وكذب أبو مسلم.
وأنشدوا:
نصحت فلم أفلح وخانوا فأفلحوا فأسكنني نصحي بدار هوان
فإذ عشت لم أنصح وإن مت فالعنوا ذوي النصح من بعدي بكل لسان
وذكر أبو الفرج بن الجوزي، عن أبي عثمان عبد الرحمن النهدي قال: قال عمر بن الخطاب - ﵁- يأتي على الناس زمان يكون صالح القوم من لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، إن غضبوا غضبوا لأنفسهم، وإن رضوا رضوا لأنفسهم لا يغضبون لله ولا يرضون لله - ﷿.
وروى أبو محمد الخلال- في كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- قال: أخبرني عمر بن صالح. قال: قال لي أبو عبد الله يعني الإمام أحمد: يا أبا حفص، يأتي على الناس زمان المؤمن بينهم مثل الجيفة، ويكون المنافق يشار إليه بالأصابع. فقلت: وكيف يشار إليه بالأصابع؟ قال: يصيروا أمر الله فضولًا. وقال: المؤمن إذا رأى أمرًا بمعروف أو نهيا عن منكر لم يصبر حتى يأمر وينهى. يعني قالوا: هذا فضول. قال: والمنافق كل شيء يراه قال بيده على فمه، فقالوا: نعم الرجل ليى بينه وبين الفضول عمل. ونحن قد شاهدنا في زماننا وتحققناه من أقراننا. كما قال أبو الفرج بن الجوزي - ﵀ -: واعلم انه قد اضمحل في هذا الزمان الأمر بالمعروف حتى صار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا وهذا زمن قوله - ﵇ -: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ).
ومن نظم أبي زكريا يحى الصرصري - رحمه الله تعالى -:
نح وابك في المعروف تعقد رسمه والمنكر استعلى وأثر رسمه
لم يبق إلا بدعة فتانة بهوى مضل مستطير سمه
هذا لعمرك إنه الزمن الذي تبدو جهالته ويرفع علمه
لم يبق إلا حاكم هو مرتشي أو عامل تخشى الرعية ظلمه
والصالحون على الذهاب تتابعوا فكأنهم عقد تناثر نظمه
[ ٢٩٥ ]
وقال غيره:
النصح من رخصه في الناس مجان والغش غال له في الناس أثمان
والعدل نور وأهل الجور قد كثروا وللظلوم على المظلوم أعوان
تفاسد الناس والبغضاء ظاهرة فالناس في غير ذات الله أخوان
والعلم فاش وقل العاملون به والعاملون لغير الله أقران
وذكر أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي - في تذكرته بأحوال الآخرة - عن ابن عباس - ﵄ - قال: لا يأتي على الناس عام إلا أماتوا فيه سنة وأحيوا فيه بدعة حتى تموت السنن وتحيا البدع. ولن يعمل بالسنن وينكر البدع إلا من هون الله عليه سخط الناس ومخالفتهم فيما أرادوا ونهيهم عما اعتادوا، ومن يسر لذلك أحسن الله تعويضه، فإن رسول الله ﷺ (قال): (إنك لن تدع لله شيئًا إلا عوضك خيرًا منه).
وبالجملة فلا يميل أكثر الناس إلا إلى الأسهل والأوفق لطباعهم، فإن الحق مر والوقوف عليه صعب، وإدراكه شديد، وطريقه مستوعر.
وروى الإمام أحمد بسنده عن الحسن البصري -رحمة الله عليه - أنه قال: هذا الحق قد جهد الناس، وحال بينهم وبين شهواتهم، والله ما صبر عليه إلا من عرف فضله ورجا عاقبته.