فربما يظن بعض من لا يعلم أن ما تقدم - في هذا الفصل - مخالف لموجب الآية الشريفة أعني قوله - تعالى -﴾ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ﴿وليس كذلك. فقد روى البخاري عن حذيفة بن اليمان أنه تلى﴾ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴿ثم قال: نزلت في وجوب النفقة.
قال أبو عبد الله الزجاج: التهلكة الهلاك. ويقال: هلك يهلك هلاكًا وتهلكة وقال الليث بن سعد: الهلكة كل شيء تصير غايته إلى الهلاك.
ومعنى الهلاك الضياع وهو مصير لا يدري أين هو.
وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه، وابن أبي حاتم - بسنديهما - عن أبي إسحاق
[ ١٩٦ ]
السبيعي قال: قال رجل للبراء بن عازب - ﵄ - إن حملت على العدو وحدي فقتلوني أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: لا، قال الله لرسوله - ﷺ -: ﴿فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلاّ نفسك ..﴾ فإنما هذا في النفقة"
وكذلك رواه الإمام أحمد.
وروى أبو داود من حديث (يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران) قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد - ﵁ - والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة، فدخل رجل على العدو فقال الناس: مه، مه، لا إله إلا الله، يلقي بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري: إنما نزلت هذه الآية ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾.
(فينا معشر الأنصار. لما نصر الله نبيه. - ﷺ- وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها) فأنزل الله - ﷿ -: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾.
فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد، قال أبو عمران: فلم يزل أيوب الأنصاري يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية.
ورواه الترمذي: ولفظه قال: "كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفًا عظيمًا من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل عليهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقى بيديه إلى التهكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يأيها الناس إنكم لتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام، وكثر ناصروه. فقال بعضنا لبعض سرًا دون رسول الله - ﷺ-: إن أموالنا قد ضاعت وإن الله - تعالى - قد أعز الإسلام وكثر ناصروه (فلو أقمنا في أموالنا) فأصبحنا ما ضاع منها، فأنزل الله - تعالى -على نبيه - ﷺ- يرد علينا: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾
[ ١٩٧ ]
فكانت التهلكة الإقامة على الأموال، وإصلاحها، وتركنا الغزو. فما زال أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم".
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وحكاه صاحب الأطراف للنسائي.
ورواه الحكام في المستدرك، وابن حبان في صحيحه، وأبو يعلى الموصلي - في مسنده-، وعند ابن حميد - في تفسيره، وابن أبي حاتم، ومحمد بن جرير الطبري، وابن مردويه وغيرهم.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
فقد أنكر أبو أيوب على من جعل المنغمس في العدو ملقيًا بيده إلى التهلكة. وبين أن تفسير الآية إنما هو الاشتغال في تثمير الأموال - عن الجهاد في سبيل الله. فترك الجهاد هو إلقاء باليد إلى التهلكة، دون المجاهدين في سبيل الله. ضد ما يتوهم هؤلاء الذين يحرفون كلام الله عن مواضعه، فإنهم يتأولون الآية على ما فيه ترك الجهاد، والآية آمرة بالجهاد، وناهية عما يصد عنه، فسمى ترك الجهاد هلاكًا، لأنه يؤدي إلى الهلاك في الدنيا بقوة العدو
وفي الآخرة بالعصيان.
وروى (أبو الجوزاء) عن ابن عباس. أن التهلكة عذاب الله - ﷿ - ولا تتركوا الجهاد فتعذبوا.
دليله قوله - تعالى - ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير﴾
وروى أبو عبد الله الحاكم بسنده - عن البراء بن عازب - ﵁ - أن رجلًا قال له يا أبا عمارة ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ ولكن هو الرجل يلقى العدو فيقاتل حتى يقتل قال: لا يذنب الذنب فيقول: (لا يفغره الله لي) وقال: صحيح على شرطيهما.
وذهب إلى قول البراء جماعة. وقيل. هو أن يذنب الذنب ثم لا يعمل بعده خيرًا فيهلكه الله. والله أعلم.
[ ١٩٨ ]