فجميع ما تقدم من ذم الغضب لمجرد هوى النفس لانتهاك حرمات هوى النفس لانتهاك حرمات الله -تعالى- وكما نستحب كتم الغيظ والعفو إذا انتهكت حرمة الإنسان، فكذلك يستحب الغضب إذا انتهكت حرمات الله -﷿- قال الله -تعالى: ﴿قتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ لوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم ﴾.
وقال تعالى: ﴿ ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه ﴾.
وقال تعالى: ﴿يأيها النبي جهد الكفار والمنفقين واغلظ عليهم ..﴾.
فالله تعالى يغضب كما شاهد به الكتاب والسنة لا سيما على من لم يغضب له، فإن المرء إذا رأى منكرًا ولم يغضب لله ولم يغيه، غضب الله عليه وإذا لم يتمعر وجهه لحقه الإثم كما سبق في غير ما حديث.
[ ٣٤١ ]
وقد كان رسول الله - ﷺ -: (يغضب لله إذا انتهكت حرماته). ففي الصحيحين، والموطأ، ومسند أحمد، وسنن أبي داود، وأبن ماجه، وغيرهم من حديث عائشة -﵂- قالت: ما ضرب رسول الله - ﷺ - شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من حرمات الله فينتقم لله-تعالى- هذا لفظ مسلم.
وروى الترمذي-في الشمائل- من حديث علي- كرم الله وجهه- قال: (كان) رسول الله - ﷺ - لا يغضب للدنيا، فإذا أغضبه التعدي على الحق لم يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر (له) ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها".
(وفي الشمائل -أيضًا- من حديث هند أبي هالة. أنه كان - ﷺ - يغضب لربه لا لنفسه). وفيه (وكان لا تغضبه الدنيا وما كان منها فإذا تعدى الحق لم يقم لغضبه شيء حتي ينتصر له. ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها).
وفي صحيح مسلم من حديث جابر﵁- قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته واشتد غضبه .. ".
وقد بوب أبو عبد الله البخاري على ذلك- في صحيحه- فقال: باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره. ثم روى- بإسناده- عن (أبي) مسعود﵁- قال: قال رجل: يا رسول الله لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان. فما رأيت النبي - ﷺ - في موعظة أشد غضبًا من يومئذ. فقال: (أيها الناس، إن منكم منفرين، فمن صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة).
ورواه مسلم وغيره.
[ ٣٤٢ ]
قوله: (إن منكم منفرين) أي عن الجماعات والأمور الإسلامية. وخاطب الكل ولم يعين المطول. كرمًا ولطفًا. وكانت هذه عادته حيث ما كان يخصص العتاب والتأديب بمن يستحقه، حتى لا يحصل الخجل ونحوه على رؤوس الأشهاد. والله أعلم.
ثم ذكر البخاري حديث زيد بن خالد أن النبي - ﷺ - سأله رجل عن اللقطة. قال: (اعرف وكاءها). أو قال: وعاءها وعفاصها ثم عرفها سنة ثم استمتع بها فإن جاء ربها فأدها إليه. قال فضاله الإبل فغضب حتي احمرت وجنتاه. فقال: "وما لك ولها" الحديث.
رواه مسلم -أيضًا- وغيره.
غضه - ﷺ - في هذا الحديث إنما كان استقصارًا لعلم السائل، وسوء فهمه، إذ لم يراع المعنى المشار إليه، ولم ينتبه له.
ثم ذكر أيضًا حديث أبي موسى الأشعري -﵁- قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن أشياء كرهها فلما أكثر عليه غضب. ثم قال للناس: (سلوني عما شئتم قال رجل: من أبي؟ قال: أبوك حذيفة) فقام آخر فقال: من أبي يا رسول الله؟ فقال: (أبوك سالم مولى شيبة) فلما رأى (عمر) ما في وجهه. قال: يا رسول الله إنا نتوب إلى الله﷿).
رواه مسلم- أيضًا- وغيره.
وغضبه - ﷺ - في هذا الحديث، لكثرة سؤالهم وإحفائهم في المسألة وفي ذلك إيذاء له.
قال تعالى: ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾.
قال تعالى: ﴿غن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة﴾ فلما أكثروا عليه.
قال: سلوني عما شئتم وأخبر بما سألوه.
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة﵂- قالت: قدم رسول الله - ﷺ - من سفر وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل فلما رآه رسول الله - ﷺ - هتكه وتلون
[ ٣٤٣ ]
وجهه. وقال: (يا عائشة أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله).
(السَّهوة) هي الصُّفَّة بين يدي البيت.
(والقرام) بكسر القاف- ستر رقيق.
(وهتكه) أي أفسد الصورة التي فيها.
وقوله: (تلون وجهه) اي احمر من شدة الغضب.
وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي شريح الخزاعي الكعبي، وكان من أصحاب رسول الله - ﷺ - قال: أذن لنا رسول الله - ﷺ - يوم الفتح في قتال "بني بكر" حتي أصبنا منهم ثأرنا وهو بمكة، ثم أمر رسول الله - ﷺ - يرفع السيف. فلقى رهط منا الغد رجلًا من "هذيل" فقتلوه وبادروه أن يخلص إلى رسول الله - ﷺ - قيأمن فلما بلغ ذلك رسول الله - ﷺ - غضب غضبًا شديدًا. قال والله ما رأيته غضب غضبًا أشد منه. الحديث.
وفي الموطأ من حديث عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه﵄- أن رسول الله - ﷺ - استعمل رجلًا من بني عبد الأشهل على الصدقة فلما تقدم سأله بعيرًا منها. فغضب رسول الله - ﷺ - حتى احمر وجهه وعرف الغضب في وجهه وكان مما يعرف أنه تحمر عيناه ثم قال: (ما بال رجال يسألني أحدهم ما لا يصلح لي ولا له. فإن منعته كرهت منعه. وإن أعطيته، أعطيته ما لا يصلح لي ولا له) "فقال الرجل: يا رسول الله لا أسألك منها شيئّا أبدًا".
وفي الصحيح، عن أبي سعيد الخدري﵁- قال: كان النبي - ﷺ - أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه".
وروى الطبراني- في الأوسط- بسنده، عن عمرو بن العاص مرفوعًا: "لا يحق العبد حقيقة الإيمان حتى يغضب لله ويرضى لله، فغذا فعل ذلك فقد استحق حقيقة الإيمان" .. الحديث.
إلى غير ذلك من الاحاديث الصريحة بغضب النبي - ﷺ - في أمور وما يتعلق بحقوق المسلمين، لأنه كان مع لينه ولطفه إذا انتهكت حرمات الله، لم يقم لغضبه شيء- كما تقدم قريبًا-.
[ ٣٤٤ ]
ولم يكن - ﷺ - يواجه أحدًا بما يكره، بل كانت تعرف الكراهة في وجهه-كما تقدم- وسيأتي-في هذا الباب- قول أبي سليمان الداراني من روايه البيهقي- في الشعب- إنما الغضب علي أهل المعاصي لجرأتهم عليها، فإذا تذكرت ما يصيرون اليه من عقوبة الآخرة دخلت قلوب الرحمة إليهم.
فينبغي- حينئذ- للمؤمن أن يغضب لله- سبحانه- إذا انتهكت حرماته، لكن يكون غضبه غير مخرج حد للإنحراف، إلى قول ما لا يحل وفعل ما لا يجوز له.
وروى الطبراني- في المعجم الصغير- من حديث أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - قال: (ثلاث من اخلاق أهل الإيمان، من إذا غضب لم يدخله غضبه في باطل ومن إذا رضي لم يخرجه رضاه من حق، ومن إذا قدر لم (يتعاط) ما ليس له).
ومن وصيه محمد بن جعب القرظي، لعمر بن عبد العزيز- رحمة الله عليهما- (ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله﷿- من إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له.
وأنشدوا:
وإذا غضبت فكن وقورًا كاظمًا للغيظ تبصر ما تقول وتسمع
فكفى به شرفًا تصبر ساعة يرضى بها عنك الإله ويدفع
(فإن قيل: كيف أغضب علي من أمرت أن أتواضع له، وأترك التكبر عليه) - كما سيأتي بعد-؟
قيل. تغضب لمولاك وسيدك، إذا أمرك أن تغضب لا لنفسك. وأنت في غضبك لا تري نفسك ناجيًا، ومن تأمره وتغضبه عليه هالكًا. بل يكون خوفك علي نفسك بما علم الله من خفايا ذنوبك أكثر من خوفك عليه مع الجهل بالخاتمة. وليس من ضرورة الغضب لله أن تتكبر علي المغضوب عليه وترى قدرك فوق قدره. ومثال ذلك: أنه إذا كان للملك غلام وولد هو قرة عينه وقد وكل الغلام بالولد، ليراقبه وأمره أن يغضب عليه ويضربه إذا أساء أدبه، وأشتغل بما لا يليق به، فإن كان الغلام مطيعًا محبًا لمولاه فلا يجد بدًا من أن يغضب عليه، إذا رأى ولده قد أساء الأدب، وإنما يغضب عليه لمولاه ولأنه أمره به وهو يريد التقرب بامتثال أمره، ولأنه يرى من ولده ما يكره مولاه فيضرب ولده، ويغضب من غير
[ ٣٤٥ ]
تكبر عليه بل (هو) متواضع يرى قدره عند مولاه فوق قدر نفسه، لأن الولد أعز لا محالة من الغلام. ومع ذلك فينبغي أن يكون غضبه بحكم الأمر (محبه) لمولاه إذا جرى ما يكرهه، مع التواضع لمن يجوز أن يكون عنده أقرب منه في الآخرة. وأما المغرور فإنه يتكبر ويرجو لنفسه (أكثر) مما برجوه لغيره مع جهله بالعاقبة، ولذلك غاية الغرور.
قال بعضهم: والفرق بين الغضب للحق، والغضب للنفس، أن الغضب للحق كرجل رأي منكرًا فغار لله﷿- ولمحق ذلك المنكر وإبطاله فهو محمود، والغضب للنفس فهو كرجل رأي منكرًا فحميت نفسه، لأنه رجع إلى نفسه فقال بين يدي مثل هذا؟ ! ولقد استهزئ بقدري واجترئ علي. فهذا الغضب مردود والإنكار فيه غير مقبول. انتهي.
وسيأتي الكلام علي التكبر- في الأمر بالمعروف والنهي، واستحقار المأمور- في الباب الخامس- إن شاء الله تعالي. والله أعلم.