قال الله تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾
وقال -تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾
وقد قال ورقة بن نوفل للنبي ﷺ: إنه لم يأت أحد بما جئت به إلا عودي.
وروى الترمذي وأبو يعلى عن علي: رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار
[ ٢٩٦ ]
الهجرة وصحبني في الغار وأعتق بلالاّ من ماله. ورحم الله عمر يقول الحق ولو كان مرًا. ما ترك له الحق من صديق ورحم الله عثمان تستحيي منه الملائكة. ورحم الله علياّ اللهم أدر الحق معه حيث دار. وروي عن أبي ذر موقوفًا﵁- أنه قال: "ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ما ترك لي الحق صديقًا".
ولما استخلف أبو بكر عمر﵁- قال لمعيقيب الدوسي: ما يقول الناس في استخلاف عمر؟ قال: كرهه قوم ورضيه قوم آخرون. قال فالذين كرهوه أكثر أم الذين رضوه؟ قال: الذين كرهوه أكثرهم.
قال: إن الحق يبدو كريهًا، وله تكون العاقبة.
كما روى أبو بكر بن أبي الدنيا- بإسناده- عن ابن سلامة البكري، عن رجل من مراد قال: دخلنا على أويس القرني. فقال يا أخا مراد إن قيام المؤمن بحق الله لم يبق له صديقًا، والله إنا لنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر فيتخذونا أعداء، ويجدون على ذلك من الفساق أعوانا، حتى لقد رموني بالعظائم، ووالله لا يمنعن ذلك أن أقوم لله بحق.
وبسنده، عن مسعد بن كدام- رحمة الله- قال: ما نصحت أحدًا إلا طلب عيوني، فالشيطان وأعوانه يودون أن لا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن منكر، وإذا أمرهم أحد أو نهاهم، عابوه بما فيه وبما ليس فيه. كما قيل: إن سمعوا الخير أخفوه، وإن سمعوا شرًا أذاعوا وإن لم يسمعوا (كذبوا).
ولبعضهم:
إن يسمعوا فيه طاروا به فرحًا مني وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيرًا ذكرت به وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا
جهلًا علينا وجبنًا عن عدوهم لبئست الخلتان الجهل والجبن
إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا شرًا أذاعوا وإن لم يسمعوا أذنوا
لكنهم معذورون حيث قيل:
يعيب أمري أقوام وأعذرهم لأني أمرو وردى وهم جعل
والنهي إن كان سهلًا فهو ذو ثقل على عدوى، فهو السهل والجبل
[ ٢٩٧ ]
الناهي عن المنكر يحمي عن طعام المعاصي. ولكن الطبيب مبغوض. قال الله تعالى: ﴿ولكن لّا تٌحبٌون النّصحين﴾.
فمن قصد الناس بالإنكار عليهم، ونظر بعين النصيحة إليهم سارعوا إلى إهلاكه ومبادرته، وسبقوه قبل إن تسبق إليهم سيوف نقمته.
وروى البيهقي- في الشعب- بسنده، عن العلاء بن جرير، عن أبيه، عن الأحنف بن قيس. قال: من أسرع إلى الناس بما يكرهون. قالوا فيه مالا يعلمون".
كما قيل:
أرنوا إلى الأقوام أبغي ذكرهم أبدًا ويجهل بعضهم مقداري
وروى ابن أبي الدنيا- بإسناده- عن أبي مخلد، عن عطاء بن مسلم. قال: قال لي سفيان الثوري- قدس الله روحه-: يا عطاء احذر الناس وأنا فاحذرني فلو خالفت رجًا في رمانة فقال: حامضة وقلت حلوة. أو قال: حلوه. وقلت: حامضة لخشيت أن يشيط بدمي.
وقال مرة: يشي بي إلى السلطان.
قوله: (يشيط بدمي) يقال: أشاط فلان، أي ذهب دمه هدرًا. ويقال: أشاطه وأشاط دمه أي عرضه للقتل. والله أعلم.
وقال سفيان- أيضًا- صاف من شئت ثم اغضبه بالمراء، فليرمينك بداهية تمنعك من العيش.
ولقد كان سبب قتل عمر بن الخطاب﵁- أنه أمر ملجمًا بمعروف فقتله كما سيأتي- في الباب العاشر- إن شاء الله تعالى.
فقد جرت عادة الله التي لا تبدل، وسنته التي لا تحول في خلقه لا سيما في زماننا هذا أن من عظمت منزلته وتزايدت رتبته، وتردد الناس في حوائجهم إليه، وعولوا في كل قلب مسود منكوس.
كما قيل:
لو لم يكن لي في القلوب مهابة ما أكثر الأعداء فيّ وأقدحوا
كالليث لما هيب حط له الزناد وعوت لخشيته الكلاب النبح
[ ٢٩٨ ]
يغرون بي حور العيون لأنني علمت في طلب العلاء وأصبحوا
نظروا بعين عداوة لو أنها عين الرضا لا ستحسنوا ما استقبحوا
ولبعضهم:
وإذا الفتى نال الفضائل كلها لم يخل من سفه اللئيم الشاتم
والغصن تهجره الورى حتى إذا أبدى الثمار فكم له من راجم
قد أجرى- سبحانه عادته في خلقه- أيضًا- أن الأشرار يكرهون الأخيار، وينفرون لرؤيتهم، لما بينهم من المباينة الظاهرة والباطنة.
كما قال ابن الملحي في كان وكان:
روائح الورد تحيي الأنفس كذلك الأشرار تكره روائح الأخيار
لكن أنشد بعضهم:
إذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل
ولغيره:
زادني حبّا لنفسي أنني بغض إلى كل امرى غير طائل
وأني شقي باللئام ولن ترى شقيًا أبهم إلا الكريم الشمائل
وقيل لحكيم: من الذي يسلم من الناس؟ قال: من لا يظهر منه خير ولا شر. قيل له: كيف؟ قال: إن ظهر منه (خير) عاداه شرارهم وإن ظهر منه شر عاداه خيارهم.
وأنشدوا:
وما أنا إلا المسك ضاع فعندكم يضيع وعند الأكرمين يضوع
كما قيل:
مثل النهار يزيد أبصار الورى نورًا ويعمي أعين الخفاش
وروى أبو نعيم- في الحليه- والبيهقي- بسنديهما- عن مطرق بن عبد الله قال: قال لي مالك بن أنس﵀-: ما يقول الناس في؟ قلت: أما الصديق فيثني وأما العدو فيقع. قال: ما زال الناس كذلك لهم صديق وعدو ولكن نعوذ ولكن بالله من تتابع الألسنة كلها.
[ ٢٩٩ ]
وقال سفيان الثوري: إذا رأيت القارئ محببًا إلى جيرانه فاعلم أنه مداهن.
وفي رواية: إذا كان الرجل محببًا في جيرانه محمودًا عند إخوانه، فاعلم أنه مداهن.
فإن أضيف إلى ذلك أمر ونهي وإنكار زاد البغض والقذف والإضرار.