واستخلاف البشر في الأرض نوعان: استخلاف عام، واستخلاف خاص.
فالاستخلاف العام هو استخلاف البشر في الأرض باعتبارهم مستعمرين فيها ومسلطين عليها ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]، وقد بدأ هذا الاستخلاف بآدم - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - ومن بعده كل ذريته فهم جميعًا مستعمرون في
[ ١٩ ]
الأرض، استعمرهم الله - جَلَّ شَأْنُهُ - فيها، وَسَخَّرَ لهم وسلطهم عليها بإذنه ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠].
والاستخلاف الخاص هو الاستخلاف في الحكم، وهو نوعان: استخلاف الدول واستخلاف الأفراد، والاستخلاف في الحكم هو بنوعيه مِنَّةٌ أخرى يمن الله بها على من يشاء من عباده أُمَمًا وَأَفْرَادًا بعد أن مَنَّ عليهم جميعًا بنعمة الاستخلاف في الأرض ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥]، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
واستخلاف الدول معناه الأول تحرير الأمة واستقلالها بحكم نفسها وجعلها دولة لها من السلطان ما يحمي مصالح الأمة وَيُعْلِي كلمتها، ومعناه الثاني اتساع سلطان الدولة حتى يشمل فوق أبناء الأمة أممًا وشعوبًا أخرى.
واستخلاف الدول إذا كان بإذن الله وبأمره مِنَّةً يَمُنُّ بها على الأمم، إلاَّ أن للاستخلاف مسبباته التي تباشرها الأمم والشعوب فتؤهلهم للاستخلاف، وتمكن لهم في الأرض، وتتم بذلك سُنَّةُ اللهِ في خلقه ولن تجد لسنته تحويلًا. فلا يمكن أن يجيء الاستخلاف اعتباطًا وبلا عمل، وإنما يجيء نتيجة العمل الشاق والجهد المستمر، ولقد وعد الله - جَلَّ شَأْنُهُ - الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف في الأرض، فلم يجعل الإيمان وحده
[ ٢٠ ]
هو الذي يرشح المؤمنين للاستخلاف، وإنما وعد المؤمنين بالاستخلاف إذا عملوا الصالحات، والمقصود بالصالحات كل ما يصلح شأنهم في الدنيا من الإعداد والاستعداد والتفوق، وما يصلح شأنهم في الآخرة من الطاعة واجتناب المعاصي. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥].
واستخلاف الأفراد هو الاستخلاف في الرئاسة وَقَدْ يُسَمَّى المُسْتَخْلَفُ خَلِيفَةً كما سمي داوود - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].
وَقَدْ يُسَمَّى المُسْتَخْلَفُ إِمَامًا كما سمي ابراهيم - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - وبعض رؤساء بني إسرائيل:" ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣].
وَقَدْ يُسَمَّى المُسْتَخْلَفُ مَلِكًا ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]، ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧].
[ ٢١ ]