هذا الكون الذي نعيش فيه، ونعمره، ونتسلط على ما فيه من حيوان ونبات وجماد، ونحاول أن نحصل على ما فيه من خيرات، ونستغل ما فيه من قوى، هذا الكون ليس من صنع البشر ولا من عمل أيديهم، وما في استطاعتهم خلقه ولا خلق ما دونه، وما كانوا في يوم من الأيام أهلًا لذلك ولن يكونوا، فما هم إلا بشر خلقهم خالق كل مخلوق، ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨]. وما في قدرة المخلوقات أن تخلق ولو تظاهرت على الخلق، ولو اجتمع كل البشر على أن يخلقوا أحقر الذباب على الخلق وأضعفه لعجزوا، ولو سلبهم أضعف الذباب وأحقره شيئًا لما منعوه عنه ولا استنقذوه منه ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
هذا الكون الذي نعيش فيه ونعمره خلقه الله الذي خلق الناس من تراب ثم سوهم بشرًا وصورهم ذكورًا وإناثًا فأحسن صورهم وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة لعلهم ينظرون ويتفكرون فيذكروا نعمة الله عليهم، ويشكروه على ما خلقهم ورزقهم وأسبغ عليهم من فضله ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [فاطر: ١١]. ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ
[ ٩ ]
مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٦ - ٨]. ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]. ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].
هذا الكون الذي نعيش فيه خلقه الله - جَلَّ شَأْنُهُ - خالق كل شيء مما نعلم ومما لا نعلم، ومما ندرك ومما لا ندرك، ومما نستطيع تصوره ومما نعجز عن تصوره والإحاطة بكنهه ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فهو الذي خلق السماوات والأرض وما فيهما من مخلوقات وما بينهما من أجرام لا يحيط بها العلم، ولا يدركها الوصف، ولا يحصيها العد، وهو القادر على أن يخلق غيرها إن شاء، إذ الخلق متعلق بمشيئته، وراجع لأمره ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [المائدة: ١٧]، ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠].
وهو الذي خلق الأزواج كلها من النبات والحيوان والإنسان، ومما نحيط بعلمه ومما لا نعلم عنه شيئًا، ورتب على اتصالها اللقاح والإحبال فالإثمار والإنسال حفظًا للنوع واستبقاء للحياة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦].
وهو الذي جعل الظلمات والنور، وخلق الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم وهو الذي ربط الظلمات بالليل، والنور بالنهار. وجعل الشمس دليلًا على النهار، وجعل
[ ١٠ ]
القمر والنجوم لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]. ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الأنبياء: ٣٣].
وهو الذي خلق الموت والحياة. وجعل بعد الموت البعث والنشور ليبلو الناس فيما آتاهم وليجزيهم بما كانوا يعملون: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاض﴾ [الملك: ٢].